FluentPlex

The Travels of Ibn Jubayr

وعظ رئيس العلماء

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

واعتذر من التقصير لهول ذلك المقام، وقال: عجباً للأكن الأعجم كيف ينطق عند أفصح العرب! وتمادى في وعظه أن أطار النفوس خشية ورقة، وتهافتت عليه الأعاجم معلنين التوبة، وقد طاشت البابهم، وذهلت عقولهم، فيلقون نواصيهم بين يديه، فيستدعي جلمين ويجزها ناصية ناصية، ويكسو عمامته المجزوز الناصية، فيوضع عليه للحين عمامة أخرى من أحد قرائه أو جلسائه ممن قد عرف منزعه الكريم في ذلك، فبادر بعمامته لاستجلاب الغرض النفيس لمكارمه الشهيرة عندهم، فلا زال يخلع واحدة بعد أخرى، أن خلع منها عدة وجزا نواصي كثيرة، ثم ختم مجلسه بأن قال: معشر الحاضرين، قد تكلمت لكم ليلة بحرم الله عز وجل، وهذه الليلة بحرم رسوله، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، ولابد للواعظ من كدية، وأنا أسألكم حاجة أن ضمنتموها لي أوقت لكم ماء وجهي في ذكرها. فأعلن الناس كلهم بالإسعاف، وشهيقهم قد، فقال: حاجتي أن تكشفوا رؤوسكم، وتبسطوا أيديكم، ضارعين لهذا النبي الكريم في أن يرضى عني، ويسترضي الله عز وجل لي. ثم أخذ في تعداد ذنوبه والاعتراف بها، فأطار الناس سمائهم، وبسطوا أيديهم للنبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، داعين له، باكين متضرعين، فما رأيت ليلة أكثر دموعاً، ولا أعظم خشوعاً، من تلك الليلة، ثم انفض المجلس وانفض الأمير وانفضت الخاتون من موضعها. وعند وصول صدر الدين المذكور، أزبل الستر علنها وبقيت بين خدمها وكرائمها متلفعة في ردائها فعاينا من أمرها في الشهرة الملوكية عجباً.

وأمر هذا الرجل صدر الذين عجيب في قعدده وأبهته، وملوكيته، وفخامة آلته، وبهاء حالته، وظاهر مكنته ووفور عدته، وكثرة عبيده وخدمته، واحتفال حاشيته وغاشيته، فهو من ذلك على حال يقصر عنها الملوك. وله مضرب كالتاج العظيم في الهواء، مفتح على أبواب على هيئة غريبة الوضع، بديعة الصنعة والشكل، تطل على المحلة من بعد، فتبصره سامياً في الهواء. وشأن هذا الرجل العظيم لا يستوعبه الوصف؛ شاهدنا مجلسه فرأينا رجلاً يذوب طلاقة وبشراً، ويخف للزائر كرامة وبراً، على عظيم حرمته وفخامة بنيته، وهو أعطي البسطتين علماً وجسماً، استجزناه فأجازنا نثراً ونظماً. وهو أعظم من شاهدنا يهذه الجهات.

وفي يوم الجمعة المذكور، وهو السابع من محرم، شاهدنا من أمور البدعة أمراً ينادى له الإسلام: يالله يا للمسلمين. وذلك أن الخطيب وصل للخطبة، فصعد منبر النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وهو، على ما يذكر، على مذهب غير مرضي، ضد الشيخ الإمام العجمي الملازم صلاة الفريضة في المسجد المكرم. فذلك على طريقة من الخير والورع، لائقة بأمام مثل ذلك الموضع الكريم. فلما أذن المؤذنون قام هذا الخطيب المذكور للخطبة، وقد تقدمته الرايتان السوداوان وقد ركزنا بجانبي المنبر الكريم، فقام بينهما، فلما فرغ من الخطبة الأولى، جلس جلسة خالف فيها جلسة الخطباء المضروب بها المثل في السرعة، وابتدر الجمع مردة من الجذمة يخترقون الصفوف، ويتخطون الرقاب، كدية على الأعاجم والحاضرين لهذا الخطيب القليل التوفيق، فمنهم من يطرح الثوب النفيس، ومنهم من يخرج الشقة الغالية من الحرير فيعطيها، وقد أعدها لذلك، ومنهم من يخلغ عمامته فينبذها، ومنهم من يتجرد عن برده فيلقي به، ومنهم من لا يتسع حاله لذلك فيسمح بفضلة من الخام، ومنهم من يدفع القراضة من الذهب، ومنهم من يمد يده بالدينار ولا دينارين غير ذلك، ومن النساء من تطرح خلخالها وتخرج خاتمها فتلقيه، ما يطول الوصف له من ذلك. والخطيبن في أثناء هذه الحال كلها، جالس على النبر يلحظ هؤلاء المستجدين المستسعين على النار بلحظات يكرها الطمع ويعيدها الرغبة والاستزادة، أن كاد الوقت ينقضي، والصلاة تفوت، وقد ضج من له دين وصحة من الناس، وأعلن بالصياح وهو قاعد ينتظر اشتفاف صبابة الكدية وقد أراق عن وجهه ماء الحياء، فاجتمع له من ذلك السحت المؤلف كوم عظيم أمامه، فلما أرضاه قام وأكمل الخطبة وصلى الله عليه وسلم بالناس. وانصرف أهل التحصيل باكين على الدين، يائسين من فلاح الدنيا متحققين أشراط الآخرة. ولله الأمر من قبل ومن بعد!

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا