فلما كان يوم الأربعاء السابع من الشهر المذكور وصل المبشر، وكانت نفوس أهل مكة قد أوجست خيفة لبطئه حذراً من حقد الخليفة على أميرهم مكثر لمذموم فعل صدر عنه. فكان وصول هذا البشير أماناً وتسكيناً للنفوس الشاردة، فوصل مبشراً ومؤنساً، واعلم برؤية الهلال ليلة الخميس المذكور. وتواترت الأنباء بذلك، فصح الأمر عند القاضي بذلك صحة أوجبت خطبته في ذلك اليوم على ماجرت به العادة في اليوم السابع من ذي الحجة اثر صلاة الظهر، علم الناس فيها مناسكهم، ثم أعلمهم أن غدهم هو يوم الصعود منى، وهو يوم التروية، وأن وقفتهم يوم الجمعة، وأن الأثر الكريم فيها عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، بأنها تعدل سبعين وقفة، ففضل هذه الوقفة في الأعوام كفضل يوم الجمعة على سائر الأيام.
الصعود عرفات
فلما كان يوم الخميس بكر الناس بالصعود منى وتمادوا منها عرفات.وكانت السنة المبيت بها، لكن ترك الناس ذلك اضطراراً بسبب خوف بني شعبة المغيرين على الحجاج في طريقهم عرفات. وصدر عن هذا الأمير عثمان المتقدم ذكره في ذلك اجتهاد بل جهاد يرجى له به المغفرة لجميع خطاياه، إن شاء الله، وذلك أنه تقدم بجميع أصحابه شاكين في الأسلحة المضيق الذي مزدلفة وعرفات، وهو موضع ينحصر الطريق فيه بين جبلين فينحدر الشعبيون من أحدهما، وهو الذي عن يسار المار عرفات، فينتهبون الحاج انتهاباً، فضرب هذا الامير قبة في ذلك المضيق بين الجبلين بعد أن قدم أحد أصحابه فصعد رأس الجبل بفرسه، وهو جبل كؤود، فعجبنا من شأنه، واكثر التعجب من أمر افرس وكيف تمكن له الصعود ذلك المرتقى الصعب الذي لايرتقيه. فأمن جميع الحاج بمشاركة هذا الأمير لهم، فحصل على اجرين: أجر جهاد وحج، لأن تأمين وفد اله عز وجل في مثل ذلك اليوم من أعظم الجهاد.
واتصل صعود الناس ذلك اليوم كله والليلة كلها يوم الجمعة كله. فاجتمع بعرفات من البشر جمع لايحصي عدده الا الله عز وجل. ومزدلفة بين منى وعرفات، من منى اليها مامن مكة منى، وذلك نحو خمسة أميال، ومنها عرفات، مثل ذلك أو أشف قليلاً، وتسمى المشعر الحرام، وتسمى جمعاً، فلها ثلاثة اسماء، وقبلها بنحو الميل وادي محسر، وجرت العادة بالهرولة فيه، وهو حد بين مزدلفة ومنى لأنه معترض بينهما.
ومزدلفة بسيط من الأرض فسيح بين جبلين وحوله مصانع وصاريج كانت للماء في زمان زبيدة، رحمها الله. وفي وسط ذلك البسيط من الارض حلق في سوطه قبة في أعلاها مسجد يصعد اليه على أدراج من جهتين، يزدحم الناس في الصعود اليه والصلاة فيه عند مبيتهم بها. وعرفات أيضاً بسيط من الأرض مد البصر، لو كان محشراً لخلائق لوسعهم، يحدق بذلك البسيط الافينح جبال كثيرة. قبله بنحو الميلين، فما أمام العلمين عرفات حل، ومادونهما حرم. وبمقربة منهما، ممايلي عرفات، بطن عرنة الذي أمر النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، بالاتفاع عنه في قوله، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم: عرفات كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة، فالواقف فيه لايصح حجه، فيجب التحفظ من ذلك لأن الجمالين عشية الوقفة ربما استحثوا كثيراً من الحاج وحذروهم الزحمة في النفر واستدرجوهم بالعلمين اللذين أمامهم أن يصلوا بهم بطن عرنة أو يجيزوه فيبطلوا على الناس حجهم. والتحفظ لاينفر من الوقف حتى يتمكن سقوط القرصة من الشمس.
وجبل الرحمة المذكور منقطع عن الجبال قائم في وسط البسيط، وهو كله حجارة منقطعة بعضها عن بعض. وكان صعب المرتقى، فأحدث فيه جمال الدين المذكورة مآثره في هذا التقييد أدراجاً وطيئة من أربع جهاته، يصعد فيها بالدواب المذكورة، وانفق فيها مالاً عظيماً.
وفي أعلى الجبل قبة تنسب أم سلمة، رضي الله عنها، ولا يعرف صحة ذلك. وفي وسط القبة مسجد يتزاحم الناس للصلاة فيه. وحول ذلك المسجد المركم سطح محدق به فسيح الساحة جميل المنظر، يشرف منه على بسيط عرفات. وفي جهة القبلة منه جدار، وقد نصبت فيه محاريب يصلي الناس فيها.