FluentPlex

The Travels of Ibn Jubayr

ليلة النصف من شعبان

Texto original Public domain

Leer con el diccionario

وكانوا على ظن من هلال الشهر، لأنه قيل: أنه رؤس ليلة الجمعة في جهة اليمن. فبكر الناس القبة، وكان فيها من الازدحام مالم يعهد مثله، ومقصد التنور يستقون ويفيضون على رؤوس الناس الماء بالدلاء قذفاً، فمنهم من يصيبه في وجهه ومنهم من يصيبه في رأسه غير ذلك. وربما تمادى لشدة نفوذه من أيديهم، والناس مع ذلك يستزيدون ويبكون، والنساء من جهة اخرى يساجلنهم بالبكاء ويطارحنهم بالدعاء، والصبيان يضجون بالتهليل والتكبير، فكان مرأى هلائلاً مسموعاً رائعاً، لم يتخلص للطائفين بسببه طواف ولا للمصلين صلاة لعلو تلك تلك الأصوات وانشعال الأسماع والأذهان بها. ودخل القبة المذكورة أحدنا ذلك اليوم فكابد من لز الزحام عنتاً ومشقة، فسمع الناس يقولون: زاد الماء سبع اذرع. فجعل يقصد من يتوسم فيه بعض عقل ونظر من ذوي السبال البيض فيسأله عن ذلك، فيقول وأدمعه تسيل: نعم زاد الماء سبع أذرع، لا شك في ذلك، فيقول: أعن خبرة وحقيقة؟ فيقول: نعم.

ومن العجيب أن كان منهم من قال: أنه بكر سحر يوم الجمعة المذكور فالفى الماء قد قارب التنور بنحو القامة. فيا عجباً لهذا الاختراع الكاذب، نعوذ بالله من الفتنة! وكان من الأتفاق أن اعتنينا بهذا الأمر لغلبة الاستفاضة التي سمعناها في ذلك واستمرارها مع سوالف الأزمنة عند عوام أهل مكة. فتوجه منا ليلة الجمعة من أدلى دلوه في البئر المباركة أن ضرب في صفح الماء وانتهى الحبل حافة التنور وعقد فيه عقداً يصح عندنا القياس به في ذلك. فلما كان في صبيحتها وتنادى الناس بالزيادة، الزيادة الظاهرة، خلص أحدنا في ذلك الزحام على صعوبة ومعه من استصحب الدلو وأدلاه فوجد القياس على حاله لم نيقص ولم يزد، بل كان من العجب أن عاد للقياس ليلة السبت فألفاه قد نقص يسيراً لكثرة ما امتاح الناس منه ذلك اليوم. فلو امتيح من البحر لظهر النقص فيه، فسبحان من خص به من البركة ووضع فيه من المنفعة.

وفي صبيحة يوم السبت الخامس عشر منه تتبعنا هذا القياس استبراء لصحة الحال فوجدناه على ماكان عليه، ولو أن لافظاً يلفظ ذلك اليوم بأنه لم يزد لصب في البئر صباً أول لدراسته الاقدام حتى تذيبه، نعوذ بالله من غلبات العوام، واعتدائها وركوبها جوامح أهوائها.

ليلة النصف من شعبان

وهذه الليلة المبالاكة، أعني ليلة النصف من شعبان، عند أهل مكة معظمه للأثر الكريم الوارد فيها، يبادرون فيها أعمال البر من العمرة والطواف والصلاة أفراداً وجماعة، فينقسمون في ذلك اقاساماً مباركة، فشاهدنا ليلة السبت، التي هي ليلة النصف حقيقة، احتفالاً عظيماً في الحرم المقدس أثر صلاة العتمة، جعل الناس يصلون فيها جماعات جماعات، تراويح يقرأون فيها بفاتحة الكتاب ويقل هو الله أحد، عشر مرات في كل ركة أن يكملوا خمسن تسليمة بمئة ركعة، قد قدمت كل جماعة اماماً، وبسطت الحصر وأوقدت الشمع واشعلت المشاعل وأسرجت المصابيح ومصباح السماء الأزهر الأقمر قد أفاض نوره على الأرض وبسط شعاعه. فتلاقت الأنوار في ذلك الحرم الشريف الذي هو نور بذاته، فيا لك مرأى لايتخيله المتخيل ولا يتوهمه المتوهم! فأقام الناس تلك الليلة على أقسام: فطائفة التزمت تلك التراويح مع الجماعة وكانت سبع جماعات أو ثمانياً، وطائفة التزمت الحجر المبارك للصلاة على انفراد، وطائفة خرجت للاعتمار؛ وطائفة آثرت الطواف على هذا كله، أغلبها المالكية، فكانت من الليالي الشهيرة المأمولة أن تكون من غرر القربات ومحاسنها، نفع الله به ولا أخلى من بركتها وفضلها وأوصل هذه المثابة المقدسة كل شيق اليها بمنه.

وفي تلك الليلة المباركة شاهد أحمد بن حسان منا أمراً عجيباً هو من غرائب الأحاديث المأثورات في رقة النفوس وذلك أنه أصابه النوم عند الثلث الباقي من الليل، فأوى المصطبة التي تحف بها قبة زمزم مما يقابل الحجر الأسود وباب البيت فاستلقى فيها لينام فاذا بإنسان من العجم قد جلس على المصطبة بإزائه مما يلي رأسه. فجعل يقرأ بتشويق وترقيق، ويتبع ذلك بزفير وشهيق، أحسن قراءة واوقعها في النفوس وأشدها تحريكاً للساكن، فامتنع المذكور من المنام استمتاعاً بحسن ذلك المسموع وما فيه من التشويق والتخشع، أن قطع القراءة وجعل يقول:

ان كان سوء الفعال أبعدني، ... فحسن ظني اليك قربني

Pasa el cursor sobre cualquier palabra de esta página para ver su significado

Con una cuenta gratuita, pasa el cursor sobre cualquier palabra de la biblioteca para ver su significado, escúchala en voz alta, guarda palabras para repasarlas al ritmo de tu memoria y descubre cuánto de cada libro ya conoces.

Crear cuenta gratuita