FluentPlex

The Travels of Ibn Jubayr

شهر ذي الحجة

Original text Public domain

Read with the dictionary

ومن أعجب ما شاهدناه من أحوالهم التي تقطع النفوس إشفاقا وتذيب القلوب رأفة وحناناً أن أحد أعيان هذه البلدة وجه ابنه أحد أصحابنا الحجاج راغباً في أن يقبل منه بنتاً بكراً صغيرة السن قد زاهقت الإدراك، فإن رضيها تزوجها وإن لم يرضها زوجها ممن رضي لها من أهل بلده، ويخرجها مع نفسه راضية بفراق أبيها واخوتها طمعاً في التخلص من هذه الفتنة ورغبة في الحصول في بلاد المسلمين. فطاب الأب والإخوة نفساً لذلك لعلهم يجدون السبيل للتخلص بلاد المسلمين بأنفسهم اذا زالت هذه العقلة المقيدة عنهم. فتأجر هذا الرجل المرغوب إليه بقبول ذلك وأعناه على استغنام هذه الفرصة المؤدية خير الدنياوالآخرة. وطال عجبنا من حال تؤدي بإنسان السماح بمثل هذه الوديعة المعلقة من القلب وإسلامها يد من يغربها واحتمال الصبر عنها ومكابدة الشوق اليها والوحشة دونها، كما أنا استغربنا حال الصبية، صانها الله، ورضاها بفراق من لها رغبة في الإسلام واستمساكاً بعروته الوثقى، والله عز وجل يعصمها ويكفلها ويؤنسها بنظم شملها ويجعل الصنع لها بمنه. واستشارها الأب فيما هم به من ذلك فقالت له: أن أمسكتني فأنت مسؤول عني. وكانت هذه الصبية دون أم ولها أخوان وأخت صغيرة أشقاء لها.

شهر ذي الحجة

غم هلاله علينا لتوالي الأنواء، فأكملنا أيام شهر ذي القعدة بحسابه من ليلة الأربعاء السادس لشهر مارس ونحن بهذه المدينة المذكورة طامعين في قرب السفر مستبشرين بطيب الهواء، والله ييسر مرامنا ويتكفل بسلامتنا بعزته. واتفق أن أبصرنا الهلال ليلة الأربعاء كبيراً، فعلم أنه من ليلة الثلاثاء، فانتقل حساب الشهراليها.

وفي ظهر يوم الأربعاء التاسع من الشهر المذكور، والثالث عشر من مارس، وهو يوم عرفة، عرفنا الله بركته وبركة الموقف الكريم فيه بعرفات، كان صعودنا المراكب، يمنه الله ورزقنا السلامة فيه، مبيتين للسفر، قرب الله علينا مسافته، فأصبحنا على ظهر المركب صبيحة يوم عيد الأضحى، نفعنا الله بمقاساة الوحشة فيه، ونحن نيف على الخمسين رجلاً من المسلمين، عصم الجميع ونظم شملهم بأوطانهم بمنه وكرمه، انه سبحانه كفيل بذلك ورمنا الإقلاع فلم توافق الريح، فلم نزل نتردد من المركب البر ونبيت السفر كل ليلة اثني عشر يوماً أن أذن الله بالإقلاع صبيحة يوم الاثنين الحادي والعشرين لذي الحجة المذكور، والخامس والعشرين لماررس، فأقلعنا على بركة الله تع في ثلاث مراكب من الروم قد توافقت على الاصطحاب في الجري وأن يمسك المتقدم منها على المتأخر، فوصلنا جزيرة الراهب، وقد تقدم ذكرها ي هذا التقييد، وبينها وبين أطرابنش نحو ثمانية عشر ميلاً، فتغيرت الريح علينا، فملنا مرساها.

فكان من الاتفاق العجيب أن ألفينا فيها مركب مركون الجنوي المقلع من الإسكندرية بنحو مئتي رجل ونيف من أصحابنا الحجاج المغاربة الذين كنا فارقناهم بمكة، قدسها الله، في ذي الحجة من سنة تسع، ولم نسمع لهم خبراً منذ فارقناهم ولا سمعوا لنا، وكان فيهم جماعة من أصحابنا من أهل أغرناطة، منهم الفقيه أبو جعفر بن سعد صاحبنا ونزيلنا بمكة مدة مقامنا فيها، فلحين ما علموا بنا تطلعوا تلينا من المركب متعلقين بحافاته وجوانبه رافعين أصواتهم ببشرى السلامة واللقاء مسرورين بالاجتماع باكين من الفرح دهشين ذاهلين لوقوع المسرة من نفوسهم، ونحن لهم على مثل تلك الحال. فان يوماً مشهوداً اتخذناه عقب العيد عيداً جديداً. ونزل الأصحاب بعضهم بعض، وباتوا وبتنا بأسر ليلة وانعمها، وجعلنا هذا الإجتماع عنواناً كريماً لما نؤمله من انتظام الشمل بالأوطان، إن شاء الله عز وجل.

وأهب الله علينا ريحاً طيبة في سحر تلك الليلة، وهي ليلة الثلاثاء الثاني والعشرين من الشهر المذكور فأقلعنا بها ونحن في أربعة مراكب كلها تؤمل جزيرة الأندلس، بحول الله تع، وسرنا ذلك اليوم كله بريح تزجي المراكب تزجيه حثيثة، ونحن من الشوق الأندلس بحال تكاد لها النفوس تقوم مقام الرياح في حث الرياح وانزعاجها، والله يمن بالتسهيل والتعجيل. ثم انقلبت الريح غربية، بعد مسير يوم وليلتين، فضربت في وجوهنا فأنكصتنا على الأعقاب فرجعنا عوداً على بدء مرسى جزيرة الراهب، فوصلنا اليه ليلة الخميس الرابع والعشرين من الشهر المذكور.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account