FluentPlex

The Travels of Ibn Jubayr

ذكر مدينة اطرابنش من جزيرة صقلية

Texte original Public domain

Lire avec le dictionnaire

ومن أعجب ماشاهدناه بها من أمور الكفران كنيسة تعرف بكنيسة الأنطاكي، أبصرناها يوم الميلاد، وهو يوم عيد لهم عظيم، وقد احتفلوا لها رجالاً ونساء، فأبصرنا من بنيانها مرأى يعجز الوصف عنه، ويقع القطع بأنها أعجب مصانع الدنيا المزخرفة جدرها الداخلة ذهب كلها، وفيها من ألواح الرخام الملون مالم ير مثله قط، قد رصعت كلها بفصوص الذهب وكللت بأشجار الفصوص الخضر ونظم أعلاها بالشمسيات المذهبات من الزجاج، فتخطفت الأبصار بساطع شعاعها، وتحدث في النفوس فتنة نعوذ بالله منها، وأعلمنا أن بانيها الذي تنسب اليه أنفق فيهاقناطير من الذهب، وكان وزيراً لجد هذا الملك المشرك، ولهذه الكنيسة صومعة قد قامت على أعمدة سوار من الرخام ملونة وعلت قبة على أخرى سوار كلها فتعرف بصومعة السواري، وهي من أعجب مايبصر من البنيان، شرفها الله عن قريب بالأذان، بلطفه وكريم صنعه.

وزي النصرانيات في هذه المدينة زي نساء المسلمين: فصيحات الألسن، ملتحفات، منتقبات، خرجن في هذا العيد المذكور وقد لبسن ثياب الحرير المذهب، والتحفن اللحف الرائقة، وانتقبن بالنقب الملونة، وانتعلن الأخفاف المذهبة، وبررن لكنائسهن أو كنسهن حاملات جميع زينة نساء المسلمين من التحلي والتخصب والتعطر. فتذكرنا على جهة الدعابة الأدبية قول الشاعر:

أن من يدخل الكنيسة يوماً ... يلق فيها جآذراً وظباء

ونعوذ بالله من وصف يدخل مدخل اللغو، ويؤدي أباطيل اللهو، ونعوذ به من تقييد، يؤدي تفنيد، أنه سبحانه أهل التقوى وأهل المغفرة. فكان مقامنا بهذه المدنة سبعة أيام، ونزولنا بها في احد فنادقها التي يسكنها المسلمون، وخرجنا منها صبيحة يوم الجمعة الثاني والعشرين لهذا الشهر المبارك، والثامن والعشرين لشهر دجنبر، مدينة أطرابنش، بسبب مركبين بها: أحدهما يتوجه الأندلس والثاني سبتة، وكنا أقلعنا الاسكندرية فيه، وفيهما حجاج وتجار من المسلمين، فسلكنا على قرى متصلة وضياع متجاورة، وأبصرنا محارث ومزارع لم نر مثل تربتها طيباً وكرماً واتساعاً، فشبهناها بقنبانية قرطبة، أو هذه أطيب وأمتن.

وبتنا في الطريق ليلة واحدة في بلدة تعرف بعلقمة، وهي كبيرة متسعة، فيها السوق والمساجد، وسكانها وسكان هذه الضياع التي في هذه الطريق كلها مسلمون، وقمنا منها سحر يوم السبت الثالث والعشرين لهذا الشهر المبالاك، والتاسع والعشرين لدجنبر، فاجتزنا بمقربة منها على حصن يعرف بحصن الحمة،وهو بلد كبير فيه حمامات كثيرة، وقد فجرها الله ينابيع في الأرض وأسالها عناصر لايكاد البدن يحتملها لإفراط حرها، فأجزنا منها واحدة على الطريق، فنزلنا اليها عن الدواب وأرحنا الأبدان بالاستحمام فيها. ووصلنا أطرابنش عصر ذلك اليوم، فنزلنا فيها في دار اكتريناها.

ذكر مدينة اطرابنش من جزيرة صقلية

هي مدينة صغيرة الساحة، غير كبيرة المساحة، مسورة بيضاء كالحمامة، مرساها من أحسن المراسي وأوفقها للمراكب، ولذلك يقصد الروم كثراً اليها ولاسيما المقلعون بر العدوة، فإن بينها وبين تونس مسيرة يوم وليلة، فالسفر منها اليها لايتعطل شتاء ولا صيفاً الا ريثما تهب الريح الموافقة، فمجراها في ذلك مجرى المجاز الغريب. وبهذه المدينة السوق والحمام وجميع مايحتاج اليه من مرافق المدن، لكنها في لهوات البحر لإحاطته بها من ثلاث جهات، واتصال البر بها من جهة واحدة ضيقة، والبحر فاغر فاه لها من سائر الجهات، فأهلها يرون أنه لا بدله من الاستيلاء عليها وأن تراخى مدى أيامها، ولايعلم الغيب الا الله تع.

وهي مرفقة موافقة لرخاء السعر بها لأنها على محرث عظيم، وسكانها المسلمون والنصارى، ولكلا الفريقين فيها المساجد والكنائس، وبركها من جهة الشرق مائلاً الشمال على مقربة منها جبل عظيم مفرط السمو متسع في أعلاه قنة تنقطع عنه، وفيها معقل للروم، وبينه وبين الجبل قنطرة، ويتصل به في الجبل للروم بلد كبير، ويقال إن حريمه من أحسن حريم هذه الجزيرة، جعلها الله سبباً للمسلمين.

Survolez n’importe quel mot de cette page pour voir son sens

Avec un compte gratuit, survolez n’importe quel mot de la bibliothèque pour voir son sens, écoutez-le lu à voix haute, enregistrez des mots pour des révisions calées sur votre mémoire, et voyez quelle part de chaque livre vous connaissez déjà.

Créer un compte gratuit