FluentPlex

The Travels of Ibn Jubayr

الرياح العاصفة الغريبة

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

ونحن الآن يفضل الله تع نتطلع البشرى بطهور بر صقيلة، ان شاء الله.

الرياح العاصفة الغريبة

وفي النصف من ليلة الأحد الحادي عشر منه انقلبت الريح غريبة، وكشف النوؤ من الغرب، وجاءت الريح عاصفة فأخذت يناجهة الشمال. وأصبحنا يوم الأحد المذكور والهول يزيد، والبحر قد هاج هائجه، وماج مائجه، فرمى بموج كالجبالن يصدم المركب صدمات يتقلب لها على عظمة تقلب الغصن الرطيب، وكان كالسور علواً فيرتفع له الموج ارتغاعاً يرمي في وسطه بشىبيب كالوابل المنسكب. فلما جن الليل اشتد تلاطمه، وصكت الآذان غماغمه، واستشرى عصوف الريح. فحطت الشرع، واقتصر على الدلالين الصغار دون انصاف الصواريز ووقع اليأس من الدنيا، وودعنا الحياة بسلام؛ وجاءنا الموج من كل مكان، وظننا أنا قد أحيط بنا، فيا لها ليلة يشيب لها سود الذوائب، مذكورة في ليالي الشوائب، مقدمة في تعداد الحوادث والنوائب! ونحن منها في مثل ليل صول طولاً، فأصبحنا لم نكد. فكان من الاتفاقات الموحشة أن أبصرنا بر إقريطش عن يسارنا، وجباله قد قامت أمامنا، وكنا قد خلفناه عن يميننا، فأسقطتنا الريح عن مجرانا، ونحن نظن أنا قد جزناه. فسقط في أيدينا،وخالفنا المجرى المعهود الميمون، وهو أن يكون البر المذكور منا يميناً، في استقبال صقيلة. فاستسلمنا للقدر، وتجرعنا غصص هذا الكدر، وقلنا:

سيكون الذي قضي ... سخط العبد أو رضي

وفي أثناء ذلك انبسطت الشمس، ولان البحر قليلاً، وصمعنا نروم أخذ مرسى في البر المذكور أن يقضي الله قضاءه وينفذ حكمه، ولكل سفر أوان، وسفر البحر إنما هو في إبانه، والمعهود من زمائه، لا أن يعتسف في فصول أشهر الشتاء اعتسافنا له، والأمر لله من قبل ومن بعد فالحذر الحذر، من ركوب مثل هذا الخطر، وأن كان المحذور لايغني عن المقدور شيئاً، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

ثم إن الريح ساعدت عند استقبالنا لابر بعض مساعدة، فانصرفنا عنه وتركناه يميناً وعدنا قريب من المجرى المقصود، وجرينا بعض ليلة الثلاثاء الثالث عشر منه، وقد تم لنا على ظهر المركب أربعة وثلاثون يوماً، والشرع مصلبة، وهو عندهم أعدل جري لأنه لايكون أربعة وثلاثون يوماً، والشرع مصلبة، وهو عندهم أعدل جري لأنه لايكون الا بالريح التي تتلقى مؤخر المركب في مجراه، فأصبحنا يوم الثلاثاء المذكور على مثل تلك الحال، وساعدت الريح، ففرحنا وسررنا، وطلعت علينا مراكب قاصدة مقصدنا فاستبشرنا بها وعلمنا أنا على مجرى مقصود، ولله الحمد والشكر على كل حال من الأحوال.

ثم انقلبت الريح غربية، وهبت عاصفاً، فألجأتنا اضطراراً بعد أن جرت لنا بعض ليلة الأربعاء ويوم الأربعاء مرسى من مراسي جزائر الرمانية، وهو رأس الجزيرة، ومنه الأرض الكبيرة مجاز فيه الاثنا عشر ميلاً، فأصبحنا به يوم الخميس الخامس عشر لشعبان المكرم، والثاني والعشرين لنونبر، فحمدنا الله عز وجل على ما من به من السلامة، وتوافت بعدنا ذلك المرسى خمسة مراكب، منها اثنان كانا قد أقلعا من بر الاسكندرية عن عهد نحو خمسين يوماً فأسقطتهما الريح، فأقمنا بذلك المرسى أربعة أيام، وجدد الناس به الماء والزاد لأن العمارة كانت منا قريباً، فنزل أهل الجزيرة وبايعوا أهل المركب في الخبز واللحم والزيت وما كان عندهم من الأدم. ولم يكن خبزهم براً خالصاً انما كان خليطاً بالشعير وكان يضرب للسود. فتهافت الناس عليه غلائه، ولم يكن بالرخيص في سومه، وشكروا الله على ما من به عليهم.

وفي هذا المرسى كمل لنا على ظهر البحر أربعون يوماً، والحمد لله على كل حال، ومدة مقامنا بالمرسى لم يفتر عصوف الريح الغربية، وعادت أشد ما يكون هبوباً. فحمدنا الله تع على أن لم تأخذنا ونحن على ظهر البحر جارين، والحمد لله على جميل صنعه.

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا