FluentPlex

The Travels of Ibn Jubayr

شهر رجب الفرد

Texte original Public domain

Lire avec le dictionnaire

وفي يوم السبت الثامن والعشرين لجمادى المذكورة، والسادس لأكتوبر، صعدنا المركب، وهو سفينة من السفن الكبار، بمنة الله على المسلمين بالماء والزاد، وحاز المسلمون مواضعهم بانفراد عم الإفرنج. وصعده من النصارى المعروفين بالبلغريين، وهم حجاج بيت المقدس، عالم لايحصى ينتهي أزيد من ألفي انسان، أراح الله من صحبتهم يعاجل السلامة ومأمول التسهيل والصنع الجميل بمنه وكرمه، لامعبود سواه. ونحن به منتظرون موافقة الريح وكمال الوسق، بمشيئة الله عز وجل.

شهر رجب الفرد

استهل هلاله ليلة الثلاثاء، بموافقة التاسع لشهر اكتوبر، ونحن على ظهر المركب بمرسى عكة منتظرون كمال وسقه والاقلاع باسم الله تع وبركته وجميل صنعه وكريم مشيئته. وتمادى مقمنا فيه مدة اثني عشر يوماً لعدم استقامة الريح.

وفي مهب الريح بهذه الجهات سر عجيب، وذلك أن الريح الشرقية لاتهبق فيها الا في فصلي الربيع والخريف، والسفر لايكون الا فيهما، والتجار لا ينزلون عكة بالبضائع الا في هذين المفصلين. والسفر في الفصل الربيعي من نصف أبريل، وفيه تتحرك ريح الشرقية وتطول مدتها آخر شهر مايه، وأكثر وأقل بحسب مايقضي الله تع به. والسفر في الفصل الخريفي من نصف أكتوبر، وفيه تتحرك الريح الشرقية، ومدتها أقصر من المدة الربيعية، وانما هي عندهم خلسة من الزمان قد تكون خمسة عشر يوماً وأكثر وأقل.وما سوى ذلك من الزمان فالرياح فيه تختلف، والريح الغربية أكثرها دواماً. فالمسافرون المغرب و صقلية و بلاد الروم ينتظرون هذه الريح الشرقية في هذين الفصلين انتظار وعد صادق، فسبحان المبدع في حكمته، المعجز في قدرته، لا اله سواه.

وكنا كول هذه المدة التي أقمنا فيها على ظهر المركب نبيت في البر ونتفقد المركب في الأحيان. فلما كان سحر يوم الخميس العاشر لرجب المذكور، والثامن عشر لأكتوبر، أقلع المركب، وكنا على عادتنا في البر بائتين، ولم يحسن النهار للروم بأهبة السفر، فضيعنا الحزم ونسينا المثل المضروب في اعداد الماء والزاد وإن لا يفارق الإنسان رحله. فأصبحنا والمركب لاعين له ولا أثر، فاكترينا اللحين زورقاً كبيراً له أربعة مجاذيف وأقلعنا نتبعه. وكانت مخاطرة عصم الله منها فأدركنا المركب مع العشي، فحمدنا الله عز وجل على ما من به، وكان أول ذلك اليوم يوم شدتنا في هذا السفر الطويل، وآخره والحمد لله يوم فرجنا، ولله الحمد والشكر على كل حال.

واتصل جرينا والريح الموافقة تأخذ وتدع نحو خمسة أيام، ثم هبت علينا الريح الغربية من مكمنها دافعة في وجه المركب، فأخذ رئيسه ومدبره الرومي الجنوي، وكان بصيراً بصنعته، حاذقاً في شغل الرياسة البحرية، يراوغها تارة يميناً وتارة شمالاً طمعاً أن لايرجع على عقبه، والبحر في أثناء ذلك وهو ساكن، فلما كان نصف الليل، أو قريب منه، ليلة السبت التاسع عشر لرجب المذكور، والسابع والعشرين لأكتوبر، ترددت علينا الريح الغربية فقصفت قرية الصاري المعروف بالأردمون والقت نصفها في البحر مع ماتصل بها من الشراع، وعصم الله من وقوعها في المركب، لأنها كانت تشبه الصواري عظماً وضخامة، فتبادر البحريون اليها، وحط شراع الصاري الكبير، وعطل المركب من جريه، وصحيح بالبحريين الملازمين للعشاري المرتبط بالمركب، فقصدوا نصف الخشبة الواقعة في البحر وأخرجوها مع الشراع المرتبط بها، وحصلنا في أمر لا يعلمه الا الله تع، وشرعوا في رفع الشراع الكبير، وأقاموا في الأردمون شراعاً يعرف بالدلون، وبتنا بليلة شهباء، أن وضح الصباح، وقد من الله عز وجل بالسلامة.

وشرع البحريون في إصلاح قرية أخرى من خشبة كانت معدة عندهم، والريح الغربية على أول لجاجها، ونحن بين اليأس والرجاء نتردد مغلبين حسن الثقة بجميل صنع الله تع وحفي لطفه، ومعهود فضله، سبحانه، هو أهل ذلك، جلت قدرته، وتناهت عظمته، لا إله سواه.

وفي يوم الأربعاء الثالث والعشرين منه تحركت الريح الشرقية نسيماً فاتراً عليلاًن فاستبشرت النفوس بها رجاء في نمائها وقوتها، فكانت نفساً خافتاً، ثم بعد ذلك غشى البحر ضباب رقيق سكنت له أمواجه فعاد كأنه صرح ممرد من قوارير ولم يبق للجهات الأربع نفس يتنسم، فبقينا لاعبين على صفحة ماء، تخاله العين سبيكة لجين، كأنا نجول بين سماؤين. وهذا الهواء الذي يسميه البحريون الغليني.

Survolez n’importe quel mot de cette page pour voir son sens

Avec un compte gratuit, survolez n’importe quel mot de la bibliothèque pour voir son sens, écoutez-le lu à voix haute, enregistrez des mots pour des révisions calées sur votre mémoire, et voyez quelle part de chaque livre vous connaissez déjà.

Créer un compte gratuit