FluentPlex

The Travels of Ibn Jubayr

ذكر مدينة صور دمرها الله تع

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

وبتنا تلك الليلة وصبحنا يوم الثلاثء العاشر من الشهر المذكور، وهو الثامن عشر لشتنبر، مدينة عكة، ودمرها الله، وحملنا الديوان، وهو خان معد لنزول القافلة، وأمام بابه مصاطب مفروشة فيها كتاب الديوان من النصارى بمحابر الآبنوس المذهبة الحلى، وهم يكتبون بالعربية ويتكلمون بها، ورئيسهم صاحب الديوان والضامن له يعرف بالصاحب، لقب وقع عليه لمكانه من الخطة، وهم يعرفون به كل محتشم متعين عندهم من غير الجند. وكل مايجبى عندهم راجع الضمان، وضمان هذا الديوان بمال عظيم. فأنزل التجار رحالهم به ونزلوا في أعلاه، طلب رحل من لاسلعة له لئلا يحتوي على سلعة مخبؤءة فيه وأطلق سبيله فنزل حيث شاء. وكل ذلك برفق وتؤدة دون تعنيف ولاحمل. فنزلنا بها في بيت اكتريناه من نصرانية بإزاء البحر، وسألنا الله تع حسن الخلاص وتيسير السلامة.

ذكر مدينة عكة دمرها الله وأعادها

هي قاعدة مدن الافرنج بالشام، ومحط الجواري المنشآت في البحر كالأعلام، مرفأ كل سفينة، والمشبهة في عظمها بالقسطنطينة، مجتمع السفن والرفاق، وملتقى تجار المسلمين والنصارى من جميع الآفاق، سككها وشوارعها تغص بالزحام، وتضيق فيها مواطئ الأقدام، تستعر كفراً وطفياناً، وتفور خنازير وصلباناً، زفرة قذرة، مملوؤة كلها رجساً وعذرة. انتزعها الافرنج من أيدي المسلمين في العشر الأول من المئة السادسة، فبكى لها الاسلام ملء جفونه، وكانت احد شجونه. فعادت مساجدها كنائس، وصوامعها مضارب للناقيس، وطهر الله من مسجدها الجامع بقعة بقيت بأيدي المسلمين مسجداً صغيراً، يجمع الغرباء منهم فيه لإقامة فريضة الصلاة. وعند محرابه قبر صالح النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء، فحرس الله هذه البقعة من رجس الكفرة ببركة هذا القبر المقدس.

وفي شرقي البلدة العين المعروفة بعين البقر، وهي التي أخرج الله منها ابقر لآدم، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم. والمهبط لهذه العين على أدراج وطية، وعليها مسجد بقي محرابه على حاله،ووضع الافرنج في شرقيه محراباً لهم. فالمسلم والكافر يجتمعان فيه، يستقبل هذا مصلاه وهذا مصلاه. وهو بأيدي النصارى معظم محفوظ، وأبقى الله فيه موضع الصلاة للمسلمين.

فكان مقامنا بها يومين، ثم توجهنا صور يوم الخميس الثاني عشر لجمادى المذكور، والموفي عشرين لشتنبر المذكور على البر، واجتزنا في طريقنا على حصن كبير يعرف بالزاب، وهي مطلة على قرى وعمائر متصلة وعلى قرية مسورة تعرف باسكندرونة، وذلك لمطالعة مركب بها أعلمنا أنه يتوجه بجاية طمعاً في الركوب فيه، فحللناها عشي يوم الخميس المذكور، لأن المسافة بين المدينتين نحو الثلاثين ميلاً، فنزلنا بها في خان معد لنزول المسلمين.

ذكر مدينة صور دمرها الله تع

مدينة يضرب بها المثل في الحصانة، لاتلقى لطالبها بيد طاعة ولا استكانة، قد أعدها الإفرنج مفزعاً لحادثة زمانهم، وجعلوها مثابة لأمانهم، هي أنظف من عكة سككاً وشوارع، وأهلها ألين في الكفر طبائع، واجرى بر غرباء المسلمين شمائل ومنازع، فخلائقهم أسجح، ومنازلهم أوسع وأفسح، وأحوال المسلمين بها أهون واسكن، وعكة أكبر وأطغى وأكفر.

وأما حصانتها مناعتها فأعجب مايحدث به، وذلك أنها راجعة بابين: أحدهما في البر، والآخر في البحر، وهو يحيط بها الا من جهة واحدة، فالذي في البر يفضى اليه بعد ولوج ثلاثة أبواب أو أربعة، كلها في ستائر مشيدة محيطة بالباب، وأما الذي في البحر فهو مدخل بين برجين مشيدين ميناء ليس في البلاد البحرية أعجب وضعاً منها، يحيط بها سور المدينة من ثلاثة جوانب ويحدق بها من الجانب الآخر معقود بالجص. فالسفن تدخل تحت السور وترسو فيها، وتعترض بين البرجين المذكورين سلسلة عظيمة تمنع عند اعتراضها الداهل والخارج، فلا مجال للمراكب الخارج الا على أعينهم، فشأن هذه الميناء شأن عجيب في حسن الوضع، ولعكة مثلها في الوضع والصفة لكنها لا تحمل السفن الكبار حمل تلك وانما ترسو خارجها والمراكب الصغار تدخل اليها، فالصورية أكمل وأجمل وأحفل.

فكان مقامنا بها أحد عشر يوماً، دخلناها يوم الخميس وخرجنا منها يوم الأحد الثاني والعشرين لجمادى المذكورة، وهو آخر يوم من شتنبر، وذلك أن المركب الذي كنا أملنا الركوب فيه اسصغرناه فلم نر الركوب فيه.

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا