FluentPlex

The Travels of Ibn Jubayr

رتبهم في جنائزهم

Texte original Public domain

Lire avec le dictionnaire

وتحت الغارب المستطيل المسمى النسر، الذي تحت هاتين القبتين، مدخل عظيم هو سقف للمقصورة، بينه وبينها سماء جص مزينة، وقج انتظم فيه من الخشب مالا يحصى عدده، وانعقد بعضها ببعض، وتقوس بعضها على بعض، وتركبت تركيباً هائلاً منظره. وقد أدخلت في الجدار كله دعائم للقبتين المذكورتين. وفي ذلك الجدار حجارة، كل واحد منها يزن قناطير مقنطرة، لاتنقلها الفيلة فضلاً عن غيرها. فالعجب كل العجب من تطليعها ذلك الموضع المفرط السمو، وكيف تمكنت القدرة البشرية لذلك، فسبحان من ألهم عباده هذه الصنائع العجيبة، ومعينهم على التأتي لما ليس موجوداً في طبائعهم البشرية، ومظهر آياته على أيدي من يشاء من خلقه، لا اله سواه؟ والقبتان على قاعدة مستديرة من الحجارة العظيمة قد قامت فوقها أرجل قصار ضخام من الحجارة الصم الكبار، وقد فتح بين كل رجل ورجل شمسية، وستدارت الشمسيات باستدارتها، والقبتان في رأي العين واحدة، وكنينا عنها باثنين لكون الواحدة في جوف الأخرى، والظاهر منها قبة الرصاص.

ومن جملة عجائب ماعايناه في هاتين القبتين أن لم نجد فيهما عنكبوتاً ناسجاً على بعد العهد من التفقد لهما من أحد والتعاهد لتنظيف مساحتهما، والعنكبوت في أمثالهما موجود كثير. وقد كان حقق عندنا أن الجامع المكرم لاتنسج فيه العنكبوت، ولايدخله الطير المعروف بالخطاف، وقد تقدم ذكرنا لذلك في هذا التقييد. فانصرفنا منحدرين، وقد قضينا عجباً عجاباً من هذا المنظر العظيم شأنه، المعجز وضعه، المرتفع عن الإدراك وصفه، ويقال: أنه ما على ظهر المعمور أعجب منظراً ولا أبعد سمواً ولا أغرب بنياناً من هذه القبة الا مايحكى عن قبة بيت المقدس، فانها يحكى أنها أبعد في الارتفاع والسمو من هذه وجملة الأمر أن منظرها والوقوف على هيئة وضعها وعظيم الاستقدار فيها عند معاينها بالصعود اليها والولوج داخلها من أغرب ما يحدث به من عجائب الدنيا، والقدرة لله الواحد القهار، لا اله سواه.

رتبهم في جنائزهم

ولأهل دمشق وغيرها من هذه البلاد في جنائزهم رتبة عجيبة، وذلك أنهم يمشون أما الجنائز بقراء يقرأون القرآن بأصوات شجية، وتلاحين مبكية، تكاد تنخلع لها النفوس شجواً وحناناً، يرفعون أصواتهم بها، فتتلقاها الآذان بأدمع الأجفان، وجنائزهم يصلى الله عليه وسلم عليها في الجامع قبالة المقصورة، فلا بد لك جنازة من الجامع، انتهوا بابه قطعوا القراءة، ودخلوا موضع الصلاة عليها، الا أن يكون الميت من أئمة الجامع أو من سدنته، فإن الحالة المميزة له في ذلك أن يدخلوه بالقراءة موضع الصلاة عليه. وربما اجتمعوا اللعزاء بالبلاط الغربي من الصحن بإزاء باب البريد، فيصلون أفراداً أفراداً، ويجلسون وأمامهم ربعات من القرآن يقرأونها، ونقباء الجنائز يرفعون أصواتهم بالنداء لكل وصل للعزاء من محتشمي البلدة وأعيانهم ويحلونهم بخططهم الهائلة التي قد وضعوها لكل واحد منهم بالإضافة الدين، فتسمع ماشئت من صدر الدين أو شمسه أو بدره أو مجمه أو زينه أو بهائه أو جماله أومجده أو فخره أو شرفه أو معينه أو محييه أو زكيه أو نجيبه، مالا غاية له من هذه الألفاظ الموضوعة؛ وتتبعها، ولا سيما في الفقهاء بما شئت أيضاً من سيد العلماء وجمال الأئمة وحجة الإسلام وفخر الشريعة وشرف الملة ومفتي الفريقين، مالانهاية له من هذه الألفاظ المحالية. فيصعد كل واحد منهم التشريعة ساحباً أذياله من الكبر، ثانياً عطفه وقذاله. فإذا استكملوا وفرغوا من القراءة وانتهى المجلس بهم منتهاه قام وعاظهم واحداً واحداً بحسب رتبهم في المعرفة فوعظ وذكر ونبه على خدع الدنيا وحذر وأنشد في المعنى ماحضر من الأشعار ثم ختم بتعزية صاحب المصاب والدعاء له وللمتوفى ثم قعد، وتلاه آخر على مثل طريقته أن يفرغوا ويتفرقوا. فربما كان مجلساً نافعاً لمن يحضره من الذكرى.

Survolez n’importe quel mot de cette page pour voir son sens

Avec un compte gratuit, survolez n’importe quel mot de la bibliothèque pour voir son sens, écoutez-le lu à voix haute, enregistrez des mots pour des révisions calées sur votre mémoire, et voyez quelle part de chaque livre vous connaissez déjà.

Créer un compte gratuit