FluentPlex

The Epistles

إلى أبي الوليد محمد بن أحمد بن أبي داود

Texto original Public domain

Leer con el diccionario

على أنَّنا لم ننطق إلاَّ بألسنتكم، ولم نحتذ إلا على مثالكم، ولم نقْوَ إلا بما أعرتمونا من فضْل قوَّتكم. وعلى الرُّواة من الأدباء، وعلى أهل اللَّسن من الخطباء، معاونتكم ومكاتفتكم، والجلوس بين أيديكم والاستماع منكم، وعلى أن يطيعوا أمركم، وأن ينفذوا لطاعتكم، وأن يخلصوا في الدُّعاء، وأن يمحضوا النصيحة، وأن يضمروا غاية المحبَّة، وأن يعملوا في كفّ الغلِّ والحسد، وأن لا يرضوا من أنفسهم بالنِّفاق، وأن يعلموا أنَّ الحسد لا يقع إلا بين الأشكال، وأنَّ التنافس لا يكون إلا مع تقارب الحال.

وقد كان يقال: لا يزال الناس بخير ما تفاوتوا، فإذا تقاربوا هلكوا.

وكان يقال: ثلاثةٌ توجب الضِّغْن وتُكثر من الغِلّ: المجاورة في المنزل، والاستواء في النَّسب، والمشاكلة في الصِّناعة.

ولذلك قال شبيب بن شيبة لرجلٍ ادَّعى محبَّته ونصيحته: " وكيف لا يكون كما وصفت وكما ذكرت، ولست بخطيبٍ، ولا جارٍ قريبٍ، ولا ابن عمٍّ نسيب " .

وقال بعض الحكماء: لو لم تعرفوا من لؤم الحسد إلا أنَّه موكَّل بالأدنى فالأدنى. وليس يقع ذلك بين المتباينين، ولا يجوز في المتقاربين.

ولا يكون الطَّلب إلا بالطمع، ولا يكون الطمع إلا بالسَّبب. فإذا انقطع السَّبب انقطع الطَّمع، وفي عدم الطَّمع عدم الطلب. وكيف يتكلَّف الطيران من لا جناح له، وكيف يرجو صلاح أمر العامّة وترتيب الخاصَّة من عجز عن تدبير بيته، وقصَّر عن تدبير عبْده؟! وإنصاف اللِّسان قليل، وإنصاف القلب أقلُّ منه.

ونحن نرغب إلى الله في صلاحهم؛ فإنَّ في صلاحهم صلاح قلوبنا لهم.

وقد جعل الله الشكر موصولاً بالمزيد، ومن الشُّكر على نعمة الله علينا بكم أن نعظِّم ما عظَّم الله من أمركم. ومن صغّر ما عظَّم الله فقد عظَّم ما صغَّر الله. ولا يفعل ذلك إلا الصَّغير القدْر، والخامل الذّكر، والجاهل بالأمر.

وكيف لا تكونون على ما خبَّرت وكما وصفت، وقد أغنيتم من العيلة، وآنستم من الوحشة، وجمعتم الشَّمل، وأعدتم الألفة، ورددتم الظُّلامة، وأحييتم السُّنَّة، وأبرزتم التوحيد بعد اكتتامه، وأظهرتموه بعد استخفائه، واحتملتم عداوة الجميع، ووترتم المطاعنين في تقويتنا.

ونحن لا نُطالب ما كنتم قياماً، ولا نُذكر ما كنتم شهوداً. ونحن مع قلَّة علمنا لا نجد أبداً عملنا إلا مقصِّراً عن علمنا. وأنتم مع اتِّساع قلوبكم، أعمالكم وفق علومكم؛ لأنَّ كلَّ من بذل كلَّ مجهوده، وخاطر بجميع نعمته، وكانت الواحدة من نعمه كالجميع من نِعم غيره، مع خذلان الموافق ونكوص المؤازر، ثم لم تزدْه الشدائد إلاَّ شدَّة، والوحدة إلا أنسة حقيقٌ بالتَّفضيل والتعظيم، والإنابة له بالتقديم.

ولعل قائلاً أن يقول: أدخله في جملة صفات أبيه، وجلَّة مشيخته وأقربيه، حيث خصَّهم بالتقديم، وأبانهم بالتعظيم. بل كيف يقدَّم من صغرت سنُّه وقلَّت تجربته على من تقاربت سنُّه وكثرت تجربته. وكيف تمكن الطاعة الكثيرة في الأيام القصيرة والشهور اليسيرة؟ وهل يقول ذلك صاحب تحصيلٍ ومقايسة، والبعيد من الملق والمخادعة.

وما قلت ذلك - حفظك الله - ولا انتحلته، إلا وبرهاني حاضر، وشاهدي شاهد. وذلك أنَّ للشَّباب سكرة وطماحاً، وقراعاً وصولة. والهرم داخلٌ على جميع الأعضاء، وآخذ بقسطه من جميع الأجزاء. ألا ترى كيف يكلُّ ناظره وسامعه، وذائقه وشامُّه، وهاشمه وعامله؛ وكيف تُنقص على مرور الأيام قوّته، وكذلك قلبه وكلُّ ما بطن من أمره، على قدر ما نقص من قُوى جسمه وتُنُقِّص من قوى شهوته. ويخفُّ عليه مخالفة هواه، ومحاربة نوازعه. ومن حمل على نفسه في كمال شبابه وأيَّام سكرته، وفي سلطان حدَّته وكمال قوَّته، فظلفها مرّةً وكبحها أخرى، وعاين تلك التكاليف، وغلب تلك الرِّيح كان أبرز طاعةً؛ إذْ كان أحمل للمشقة.

وعلى قدر المشقّة تكون المثوبة، وتعظُم عند الله المنزلة، وتقع له في قلوب الناس المحبّة. ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لسعد بن أبي وقّاص، حين وجَّهه إلى العراق: " يا سعد بني وهيب، إن الله إذا أحبَّ عبداً حبَّبه إلى خلقْه. فاعتبر منزلتك من النَّاس، واعلمْ أنَّ مالك عند الله مثل ما لله عندك. ونحن نعتبر حالك عند الله بالذي نجد لك في قلوب عباده. وقد ملَّك الله بعض الناس أبدان بعض، ولم يملَّك القلوب أحداً غيره " .

Pasa el cursor sobre cualquier palabra de esta página para ver su significado

Con una cuenta gratuita, pasa el cursor sobre cualquier palabra de la biblioteca para ver su significado, escúchala en voz alta, guarda palabras para repasarlas al ritmo de tu memoria y descubre cuánto de cada libro ya conoces.

Crear cuenta gratuita