FluentPlex

The Epistles

إلى أبي الوليد محمد بن أحمد بن أبي داود

Original text Public domain

Read with the dictionary

وقد كتبت - مدَّ الله في عُمرك - في الردِّ على المشبِّهة كتاباً لا يرتفع عنه الحاذق المستغني، ولا يرتفع عن الريِّض المبتدئ. وأكثر ما يعتمد عليه العامة ودهماء أهل التشبيه من هذه الأمور ويشتمل عليه الفضْل من حُشْوة الناس، ويُختدع به المحدثون من الجمهور الأعظم، تحريف آيٍ كثيرةٍ إلى غير تأويلها، ورواياتٍ كثيرة إلى غير معانيها. وقد بيَّنت ذلك بالوجوه القريبة، والدلالات المختصرة، وبالأشعار الصحيحة والأمثال السائرة، واستشهدت الكلام المعروف، والقياس على الموجود.

وهو مع ذلك كلِّه كتابٌ قَصْدٌ، ومقدار عدلٌ، لم يفضلْ عن الحاجة، ولم يقصِّر عن مقدار البُغية. على أنَّ الكلام لا ينبغي أن يكثر وإن كان حسناً كلُّه، إذا كان السامع لا ينْشَط له، وجاز قدر احتماله؛ لأنَّ غاية المتكلِّم انتفاع المستمع. وقد قال الأولون: " قليل الموعظة مع نشاط الموعوظ، خيرٌ من كثيرٍ وافق من الأسماع نبوةً، ومن القلوب ملالةً " .

وقال بكر بن عبد الله المزنّي: ليس الواعظ من جهل أقدار السامعين، وإنابة المرتدِّين، وملالة المستطرفين.

وقال علي بن أبي طالبٍ، رضوان الله عليه: " إن هذه القلوب تمُّل كما تملُّ الأبدان، فابتغوا لها طُرف الحكمة " .

وقد كان يقال: إنَّ للقلوب شهوةً وإقبالا، وفترة وإدباراً؛ فأْتوها من حيث شهوتها وإقبالها.

وكان يقال: إذا أُكره القلب عمي.

وقال واصل بن عطاء: طول التحديق يكلُّ الناظر، وناظر القلب أضعف منه.

وزعم عمران بن حُدير قال: قال قسامة بن زهير: روِّحوا هذه القلوب تع الذِّكر.

وقال عبد الملك بن قُريب: قال أبو الدَّرداء: إنِّي لأستجمُّ نفسي ببعض الباطل كراهة أنْ أحمل عليها من الحقِّ فأُكلَّها.

وكتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاصٍ، رضي الله عنهما، وهو بالقادسيّة: أنْ جنِّبْهم حديث الجاهلية؛ فإنه يذكِّر الأحقاد. وعِظْهم بأيام الله ما نشطوا لاستماعها.

وقالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوَّلنا بالموعظة.

ولذلك أمروا بالجمام وزيارة الغِبّ.

ورووا أنَّ شرَّ السَّيرْ الحقحقة.

ولأن ينقص الكتاب عن مقدار الحاجة أحبُّ إليَّ من أن يفضل عن مقدار القوّة؛ لأنَّ الملالة تبغِّض في الجميع، وتزهِّد في الكُلّ.

فأنا أسألك - أكرمك الله - أن ترى هذا الكتاب وتقرأ ما خفَّ عليك منه. فإن يصلح الكلام وكان كما وصفت وكما ضمنت، حثثت على قراءته وعلى اتِّخاذه، وعلى تخليده وعلى تدوينه، وأمرت من يحتاج إلى المادَّة، وإلى حُسن المعونة من الموافقين والإخوان الصَّالحين، أن ينظروا فيه، وأن يبثّوه ويشيعوه.

وقد كنت أنا على ذلك قادراً، وبه مستوصيا؛ ولكنَّ الرجل الرفيع إذا رفع الشيء ارتفع، كما أنَّه إذا وضع الشيء اتَّضع.

وإن كنت فيه غلقاً أو لعلَّته مستكثرا، كان لك بحُسن نيتك وصلاح مذهبك، والذي رجوت عنده من المنفعة وصلاح قلوب العامَّة، الأجر الكبير، والثواب العظيم، مع ما تقضي بذلك من ذمام المتحرِّم بك، والمتحلِّي من بيتك؛ ومع اليد البيضاء والصَّنيع المشكور.

وحرامٌ على كلِّ متكلِّمٍ عالم، وفقيه مطاوعٍ، وخطيب مفوَّه إن كان عنده من الأمر شيء، إلا أن يأتيكم به، ويذكِّركم بما عنده، قلَّ ذلك أو كثر، وصادفمنكم شُغلاً أو فراغا، لأنَّ ذلك من عندكم أنفق، والناس إليه أسرع، والقلوب إليه أسكن، وهو في العيون أعظم، لما جعل الله عندكم من حُسن الاختيار، والعلم بمنافع العباد، ومصالح البلاد؛ إذْ كنتم المفْزع والمقنع، والأئمة والمنزع. ولولا ما قُلِّدتم من أمر الجماعة، والقيام بشأن الخاصّة والعامة، وأنَّ الشّغل برعاية حقِّها والدِّفاع عنها، لم يُبقِ في قُواكم فضلاً للدُّعاء والمنازعة، ولوضْع الكتب بالجواب والمسألة لبدأ بكم الفرْض، ولكنتم أحقَّ بهذا الأمر.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account