FluentPlex

The Epistles

إلى أبي الوليد محمد بن أحمد بن أبي داود

Original text Public domain

Read with the dictionary

فلم يزل - أكرمك الله - كذلك حتَّى وضع الله من عزِّهم، ونقص من قوَّتهم. وليس لأمر الله مردٌّ، ولا لقضائه مدفع. وحتَّى تحوَّل إلينا رجالٌ من قادتهم ومن أعلامهم، والمُطاعين فيهم، وارتاب قومٌ ونافق آخرون. وحتَّى تحوَّلت المحنة عليهم، والتَّقيَّة فيهم. وذلك كلُّه على يد شيخك وشيخنا بعدك - أعزه الله - بما بذل من جُهده، وعرَّض من نفسه، وتفرَّد بمكروهه، وغرغر مراره، صابراً على جسيمه؛ يرى الكثير في ذلك قليلا، والإغراق تقصيرا، وبذل النَّفس يسيرا. على حين خار كلُّ بطل، وحاد كل مُقْدم، وعرَّد كلُّ رئيس، وأضاف كلُّ مستبصر، وطاح كلُّ نفّاج، واستخفى كل مُراءٍ. وحتى صاروا هم الذين يُشيرون عليه بالملاينة، ويحسِّنون عنده المقاربة، ويخوِّفونه العاقبة، ويزعمون أنَّ لكلِّ زمانٍ تدبيراً ومصلحة، وأنَّ إبعادهم أتقر لطبائعهم، وإن إطلاقها أنجع فيما يراد منهم. وحتَّى سَّموا المداهنة مداراة، وإعطاء الرِّضا تقيّة، والشَّدَّة عند الفرصة خُرقا، والانحياز مع صواب الإقدام رفقا، وموالاة المخالف مخالفة، والمصافاة معاشرة، والمهانة حلما، والضَّعف في الدِّين احتمالا. كما سمَّى قومٌ الفرار انحيازا، والبُخْل اقتصادا، والجائر مستقصيا، والبلاء عارضا، والخطل بلاغة. فكذلك كانوا وكان. وعلى هذا افترق أمرهم؛ وذلك مشهور عنهم.

ثم يصُول أحدهم على منْ شتمه، ويسالم من شتم ربَّه، ويغضب على من شبَّه أباه بعبده، ولا يغضب على من شبَّه الله بخلقه، ويزعم أنَّ في أحاديث المشبَّهة تأويلاً ومجازاً ومخارج، وأنَّها حقٌّ وصدق. فإذا قيس...... طلب لهذا المجاز ظلم، وقال ما يليق بلفظ الحديث، فيكون بشهادته لصحة أحاديثهم مُقرّاً، فيصير فيما يدَّعي من خلاف تأويلهم مدَّعياً. ولو كانت هذه الأحاديث كلُّها حقّاً كان قول النبي صلى الله عليه وسلم: " سيفشو الكذبُ بعدي، فما جاءكم من الحديث فاعرضوه على كتاب الله " باطلاً.

وهذا المذهب لمنْ ينتحل طريقتنا، زعمه سبيلنا، جورٌ شديد، ومذاهب قبيحة، وتقرب فاحش.

وليس ينبغي لديَّان أن يوادَّ من حادَّ الله ورسوله، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم.

فمتى إذن تزول التَّقيّة، ويجب إظهار الحقّ والنُّصرة للدِّين، والمباينة للمُخالفين؟! أحين يموت الخصم ويبيد أثره ويهلك عقبه ويقلُّ ناصره، ويزول جميع الخوف ويكون على يقين من السلامة. وكيف يكون القائم حينئذ بالحقِّ مطيعاً، ولله معظماً؟! فقد سقطت المحنة وزالت البلوى والمشقَّة. وهل المعصية إلا ما مازجه الهوى والشهوة، وهل الطاعة إلا ما شابه المكروه والكلفة، وكيف يُتكلَّف مالا مؤونة فيه، وكيف يُحمد مالا مرزئة عليه. وكيف يكون شجاعاً من أقدم في الأمن، وتكمَّن في الخوف. أو ليست النار محفوفةً بالشهوات، أو ليست الجنّة محفوفةً بالمكاره. وكيف صاروا في باطلهم أيام قدرتهم أقوى منا في حقنا أيام قُدرتنا.

وقد علمت - أرشد الله أمرك - أنَّ التشبيه وإن كان أهله مقموعين ومُهانين وممتحنين، فإنَّ عدد الجماجم على حاله، وضمير أكثرهم على ما كان عليه، والذين ماتوا قليلٌ من كثير. ونحن لا ننتفع بالمنافق، ولا نستعين بالمرتاب، ولا نثق بالجانح، وإن كانت المبادأة قد نقصت فإنّ القلوب أفسدُ ما كانت.

وقد كانوا يتَّكلمون على السُلطان والقدرة، وعلى العدد والثَّروة، وعلى طاعة الرَّعاع والسِّفلة؛ فقد صاروا اليوم إلى المنازعة أمْيل، وبها أكلف؛ لأنهم حينما يئسوا من القهر بالحشوة والسِّفلة، وبالباعة، وبالولاة الفسقة، وقلوبهم ممتلئة ونفوسهم هائجة. ولا بدَّ لمن كانت هذه صفته، وهذا نعْته، من أن يستعمل الحيلة والحجّة، إذْ أعجزه البطش والصَّولة. وكلُّ من كان غيظه يفضل عن حلمه، وحاجته تفضل عن قناعته، فواجبٌ أن ينكشف قناعه، ويظهر سرُّه، ويبدو مكنونه.

وقد أطمعني فيهم مناظرتهم لنا، ومقايستهم لأصحابنا. وقد صاروا بعد السّبّ يَحُفُّون، وبعد تحريم الكلام يجالسون، وبعد التصامِّ يستمعون، وبعد التجليح يدارون؛ والعامة لا تفطن لتأويل كفِّها، ولا تعرف مقاربتها. فقد مالت إلينا على قدر ما ظهر من ميلها، وأصغت لما ترى من استماعها.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account