FluentPlex

The Epistles

إلى أبي الوليد محمد بن أحمد بن أبي داود

Original text Public domain

Read with the dictionary

وأمّا قولهم: إن الغرارة مقرونة بالحداثة، والحنكة موصولةٌ بطول التجربة، فإنَّ الذِّهن الحديد والطّبع الصحيح، والإرادة الوافرة، ينال في الأيام اليسيرة، ويُدرك في الدُّهور القصيرة، ما لا تدركه العقول المخدوجة، ولا الطبائع المدخولة، والإرادة الناقصة، في الأيام الكثيرة، والدُّهور الطويلة.

وربما صادف القائل مع ذكائه وكثرة قراءته وجودة اعتباره، زماناً أكثر عجباً، وأكثر معتبراً، وإنْ كانت شهوره أقلَّ، وأيامه أقصر، فينال مع قلَّة الأيام ما لا ينال سواه مع كثرتها، ولا سيَّما إذا أُعين بحفظٍ، وأحسَّ من نفسه بفضل بيان.

وليس من نظر في العلم على الرَّغبة والشهوة له كمن نظر فيه على المكسبة به والهرب إليه؛ لأن النفس لا تُسمح بكلِّ قواها إلا مع النشاط والشَّهوة، وهي في ذلك لنفسها مستكرهة ولها مكابدة. والسآمة إلى من كانت هذه صفته أقرب، وله ألزم. ولولا ذلك لما ولَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم مُعاذ بن جبلٍ اليمن، وجعل إليه قبض الصَّدقات، ومحاسبة العمّال، وقلَّده الأحكام وتعليم الناس الإسلام، وهو ابن ثماني عشرة سنة. ولا يدفع ذلك صاحب خبرٍ ولا حامل أثر.

وعلى مثل ذلك عقد لأُسامة بن زيدٍ الإمرة، وأبانه بالتَّقدمة على جِلَّة الأنصار وكبار المهاجرين، وخيار السَّلف المتقدِّمين.

وعلى مثل ذلك ولّى عتَّاب بن أسيدٍ مكة، وبها عظماء قريش وكبراء العرب وذوو الأخطار من كلِّ قبيلة، وذوو الأسنان من كلِّ جيل. ومكة فتح الفتوح، وأمُّ القرى، وخاتمة الهجرة وقبلة العرب، وموضع الحرم والموسم الأعظم والحجِّ الأكبر، والأصل والمفخر.

وقد رأيتم ما بلغ بخالد بن يزيد في السودد والمحبَّة، وقود الجيوش والهيبة، وهو ابن خمس عشرة سنة. وقد ذكر ذلك الكميت بن زيد فقال:

قاد الجيوش لخمس عشرة حجّةً ... ولداته عن ذلك في أشغال

قعدت بهم همّاتهم وسما به ... همم الملوك وسورة الأبطال

فأما ابن بيضٍ فقال:

بلغت لعشرٍ مضت من سني ... ك ما يبلغ السيِّد الأشيب

فهمُّك فيها جسام الأمور ... وهمُّ لداتك أن يلعبوا

وعلى مثل ذلك قال الفرزدق في يزيد بن المهلَّب:

ما زال مذ عقدت يداه إزاره ... ودنا وكان لخمسة الأشبار

وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم ... خضع الرقاب نواكس الأبصار

وعلى خذا المجرى مدح الشاعر فقال:

ما زلت في عقل الكبي ... ر وأنت في سنِّ الصغير

وقد رأيتم ما بلغ محمد بن القاسم من الفتوح العظام والأيام الجسام، والقهر للأعداء، وبلوغ المحبَّة في الأولياء، وهو ابن خمس عشرة سنة. وقد ذكر ذلك زيادٌ الأعجم فقال:

ما إن سمعت ولا رأيت عجيبةً ... كمحمد بن القاسم بن محمد

قاد الجيوش لخمس عشرة حِجَّةً ... يا قرب ذلك سودداً من مولد

وقال الآخر:

إذا المرء أعيته المروءة ناشئاً ... فمطلبها كهلاً عليه عسير

وقال آخر:

إذا ما ترعرع فينا الغلام ... فليس يقال له من هوه

إذا لم يسد قبل شدِّ الإزار ... فذلك فينا الذي لا هوه

ولي صاحبٌ من بني الشيصبان ... فطوراً أقول وطوراً هوه

وزعموا أن عمرو بن سعيد قال له معاوية - وذلك قبل أن يبلغ ويحتلم - إلى من أوصى بك أبوك؟ قال: إنَّ أبي أوصى إليَّ ولم يوصِ بي. وقال: فيم أوصاك؟ قال: أوصاني ألا يفقد إخوانه منه إلا وجهه.

ولو لم يعرف ذلك إلا بعبد الله بن العباس وحْده كان ذلك كافياً، وبرهاناً شافياً، فإن الأعجوبة فيه أربتْ على كلِّ عجب، وقطعتْ كلَّ سبب. وقد رأيتم حاجة عُمر إليه، واستشارته إياه، وتقويمه لعثمان رضي الله عنهما وتغييره عليه. ولو لم يكن للفضيلة من بين أقرانه مستحقّاً، وبها مخصوصاً، ما خصَّه الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة المستجابة، ولما خصَّه بعلم الكتاب والسُّنَّة وهما أرفع العلم، وأشرف الفكر. ويدُلُّك على تقديمه للغاية، وإيثاره للتعليم والاستبانة، قوله حين قيل له في حداثته وقبل البلوغ في سنّه: ما الذي آتاك هذا العلم وهذا البيان والفهم؟ قال: " قلبٌ عقولٌ، ولسانٌ سؤول " .

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account