FluentPlex

The Epistles

رسالة في الجد والهزل

Texto original Public domain

Leer con el diccionario

وقد علمت - أبقاك الله - مع خبرتك بمقابح الأمور، ومواقع المنافع والمضار، ثم بمصالح العباد والبلاد، أنّ من كان على مقطع جبل، أو على شرفات قصر، فأراد رؤية السماء على بعدها، وجد ذلك على العين سهلا خفيفاً، وإن أراد أن يرى الأرض على قربها، وجد ذلك على العين عبئاً ثقيلاً. فإن بدا لي أن يقابل عيني به العبد، أو تواجهني به الأمة، كلفت أخرق الناس كفّاً، وأقلهم وفقاً، وأكثرهم التفاتا، واحضرهم نعاسا، وأقلهم على حالٍ واحدة ثباتاً، وأجهلهم بمقدار الموافقة، ولمقادير المقابلة، وبحطِّ اليد ورفعها، وإمالتها ونصبها. ثم رأيت في تضجُّرهم وتكرههم وفرارهم منه،ما صيَّر تجشُّمي لثقل وزنه، ومقاساتي لجفاء حجمه، أهون على يدي، وأخف على قلبي. فإن تعاطيته عند ذلك بنفسي فشقاءٌ حاضر، وإن ألزمته غيري فغيظٌ قاتل. وحتى صارت الحال فيها داعيةً إلى ترك درسها والمعاودة لقراءتها، مع ما كان فيها من الفائدة الحسنة، والمنافع الجامعة، ومن شحذ الطبيعة، وتمكين حسن العادة.

ولو لم يكن في ذلك إلا الشغل عن خوض الخائضين، والبعد عن لهو اللاهين، ومن الغيبة للناس والتمنِّي لما في أيديهم، لقد كان نفع ذلك كثيراً، وموقعه من الدِّين والفرض عظيما.

ومتى ثقل الدرس تثاقلت النفس، وتقاعست الطبيعة. ومتى دام الاستثقال أحدث الهجران. وإذا تطاول الكدّ رسخ الزُّهد. وفي ترك النَّظر عمي البصر، وفي إهمال الطبيعة كلال حد الطبيعة. وعلى قدر الحاجات تكون الخواطر، كما أنه على قدر غريزة العقل تصحُّ الحوائج وتسقم، وعلى قدر كثرة الحاجة تتحرك الجارحة ويتصرف اللسان، ومع قلة الحركة وبعد العهد بالتصرُّف يحدث العي ويظهر العجز ويبطئ الخاطر. ومع ذهاب البيان يفسد البرهان، وفي فساد البرهان هلاك الدنيا وفساد الدِّين.

فقد بلغت ما أردت، ونلت ما حاولت. فحسبك الآن من شج من يأسوك، ومن قتْل من يُقتل فيك.

جُعلت فداك. إنه ليس يومي منك بواحد، وأنا على عقابك أوجد. وليس ينجيني منك معقل وعل، ولا مفازة سبع، ولا قعر بحر، ولا رأس طود، ولا دغل ولادحل، ولانفقٌ ولا مغارة ولا مطمورة. وليس ينجيني منك إلا مفازة المهلَّب. فإن أعرتني قلبه وعلمتني حيلته، وأمكنتني من سكينه. وإلا فأنا أول من ابتلعته تلك الحيّة. ولا والله إن بي قوةٌ على الثعبان، فكيف التِّنِّين. أعفني من حيّة المهلب ثم اقتلني أي قتلةٍ شئت.

إن احترست منك ألفيت لنفسي كدّاً شديداً، وغمّاً طويلاً، وطال اغترابي وافتراق ألافي، وتعرَّضت للعدو، وتحرَّشت بالسباع. فإن استرسلت إليك لم تر أن تقتلني إلا شرَّ قتلةٍ وآلمها، ولم تعذِّبني إلا بأشد النقم وأطولها. ولو أردت ذبحي لاخترت الكليل على المرهف، والتطويل على التذفيف، حتى كأني علمت عليك: " شاه مات " ، أو أكلت سبعةً وأطعمتك واحدة.

ولقد تقدمت في المكر واستظهرت عليَّ في الكيد، حتى توليت ذلك في صغار كتبي وفيما لا تحفل به من دوام أمري، وعلمت أن الدَّرس لليل وأن الا......للنهار، وأن الكتاب لايقرأ إلا ليلاً والنيران زاهرة، والمصابيح مُقرَّبة. وعلمت أن كل من ضعف بصره وكلَّ نظره، فإنه أبداً أقرب مصباحاً واعظم ناراً. وأن المحرور المحترق، والممرور الملتهب، والبائس المتهافت، إذا كان صاحب كتب ودرس، أنه لا يجد بدّاً من الصبر على ما يُحرقه ويعميه، أو الترك للقراءة فيها والتعرُّض لها. فخيّرتني بين العمي والجهل. وما فيهما حظٌّ لمختار.

وقلت: إذا سخن بدنه سُجِن بوله، وإذا سُجِن بوله جرح مثانته وأحرق كليته، وطبخ فضول غذائه، وجفف ما فضل عن استمرائه فأحاله حصىً قاتلاً وصخراً جامداً، وهو دقيق القضيب ضيق الإحليل، فإذا حصاه يورثه الأسر، وفي ذلك الأسر تلف النفس أو غاية التعذيب.

وقلت: فإن ابتليت بطول عمره أقام فينا مشغولاً بنفسه، وإن ذهب عنّا فقد كفانا مؤونة الحيلة في أمره.

جعلت فداك، ما هذا الاستقصاء وما هذا البلاء؟! وما هذا التتبّع لغوامض المسألة، والتعرّض لدقائق المكروه؟! وما هذا التغلغل في كل شيءٍ يخمل ذكرى؟! وما هذا الترقّي إلى كلِّ ما يحطُّ من قدريّ؟! وما عليك أن تكون كتبي كلها من الورق الصينيّ، ومن الكاغد الخرسانيّ؟!

Pasa el cursor sobre cualquier palabra de esta página para ver su significado

Con una cuenta gratuita, pasa el cursor sobre cualquier palabra de la biblioteca para ver su significado, escúchala en voz alta, guarda palabras para repasarlas al ritmo de tu memoria y descubre cuánto de cada libro ya conoces.

Crear cuenta gratuita