FluentPlex

The Epistles

رسالة في الجد والهزل

Original text Public domain

Read with the dictionary

يا أسد، إن البغي يصرع أهله، وإن الظلم مرتعه وخيم، فلا تغترّ بإبطاء العقاب من ناصرٍ متى شاء أن يغيث أغاث. وقد أملى لقومٍ كي يزدادوا إثماً. وجميع أهل السعادة إما سالمٌ من ذنب، وإما تاركٌ إصرار. ومن رغب عن التمادي فقد نال أحد المغنمين، ومن خرج من السعادة فلا غاية له إلا دار الندوة. وسواءٌ - جُعلت فداك - ظلمت بالبطش والغشم، أو ظلمت بالدَّحس والدَّسّ. فشاور لبك، وناظر حزمك، وقف قبل الوثبة، واحذر زلة العالم.

وقد قال صاحبكم: من استشار الملالة وقلد طبيعته الاستطراف، وجعل الخطوة ذنبا، والذنب ذنوباً، ومقدار الطَّرفة إصراراً، والصَّغير كبيرا، والقليل كثيرا، عاقب على المتروك الذي لا يُعبأ به، وبلغ بالبطش إلى حيث لا بقيَّة معه، ورأى أن القطيعة التي لا صلة معها، والتخليج الذي لا تجمُّل معه، الحزم المحمود؛ وأن الاعتزام في كل موضعٍ هو الرأي الأصيل.

وقال أيضاً: من كانت طبيعته مأمونة عليه عند نفسه، وكان هواه رائده الذي لا يكذبه، والمتأمِّر عليه دون عقله، ولم يتوكل لما لا يهواه على ما يهواه، ولم ينصر تالد الإخوان على الطارف، ولم ينصف المملول المبعد من المستطرف المقرِّب، ولم يخف أن تجتذبه العادة، وتتحكم عليه الطبيعة، فليرسم حججهما، ويصور صورهما، في كتابٍ مفرد أو لفظ مسموع، ثم يعرضهما على جهابذة المعاني وأطباء أدواء العقول، على ألا يختار إلا من لا يدري أيَّ النوعين يبغي، وعلى أيهما يحامي، وأيهما دواؤه وأيهما داؤه. فإن لم يستعمل ذلك بما فضل له من سكر سوء العادة، لم يزل متورِّطاً في الخطاء مغموراً بالذمّ.

سمعتك وأنت تريدني وكأنك تريد غيري، وكأنك تشير على من غير أن تنصَّني. وتقول: إني لأعجب ممن ترك دفاتر علمه متفرقة مبثوثة، وكراريس درسه غير مجموعة ولا منظومة، كيف يعرضها للتجرُّم، وكيف لا يمنعها من التفرُّق. وعلى أن الدفاتر إذا انقطعت حزامته، وانحل شداده، وتخرَّمت ربطه، ولم يكن دونه وقاية ولا جُنَّة، تفرق ورقه؛ وإذا تفرق ورقه اشتد جمعه، وعسر نظمه، وامتنع تأليفه، وربما ضاع أكثره. والدَّفّتان أجمع وضمُّ الجلود إليها أصون، والحزم لها أصلح. وينبغي للأشكال أن تُنظم وللأشباه أن تؤلَّف؛ فإن التأليف يزيد الأجزاء الحسنة حسنا، والاجتماع يحدث للمتساوي في الضعف قوة. فإذا فعلت ذلك صرت متى وجدت بعضها فقد وجدت كلها، ومتى رأيت أدناها فقد رأيت أقصاها؛ فإن نشطت لقراءة جميعها مضيت فيها.

وإذا كانت منظومةً، ومعروفة المواضع معلومة، لم تحتج إلى تقليب القماطر على كثرتها، ولا تفتيش الصناديق مع تفاوت مواضعها، وخفت عليك مؤونتها وقلت فكرتك فيها، وصرفت تلك العناية إلى بعض أمرك، وادخرت تلك القوة لنوائب غدك.

وعلى أن ذلك أدل على حبّك للعلم، واصطناعك للكتب، وعلى حسن السياسة، والتقدم في إحكام الصناعة.

وقلت: لأمرٍ ما جمعوا أسباع القرآن وسوره في مصحف، ولم يدعوا ما فيه مفرَّقاً في الصدور، ولا مبدّداً في الدفاتر، ومفرَّقاً في القماطر. على ذلك أجمع المسلمون، والسابقون الأولون، والأئمة الرشيدة، والجماعة المحمودة، فتوارثه خلفٌ عن سلف، وتابعٌ عن سابق، وصغير عن كبير، وحديثٌ عن قديم.

ولم أشك في أنها نصيحة حازم، ومشورة وامق، أو رأيٌ حضر أو حكمة نبغت، أو صدرٌ جاش فلم يُملك، أو علمٌ فاض فلم يُرد، استعمله من استعمله، وتركه من تركه.

فلما أخذت بقولك، وصرت إلى مشورتك وأكثرت حمد الله على إفادتك من العلم وحظِّ عنايتك من النَّقْل، وجمعت البعض إلى البعض، والشكل إلى الشكل، وتقدمت في استجادة الجلود، وفي تمييز الصناع، وفي تخيُّر البياعات، وغرمت المال، وشغلت البال، وجعلتها مصحفاً مصحفا، وأجملتها صنفاً صنفا؛ ورأيت أنيِّ قد أحكمت شأني، وجمعت إلى أقطاري، ورأيت أن أنظر فيها وأنا متسلقٍ ولا أنظر فيها وأنا منتصبٌ، استظهاراً على تعب البدن؛ إذ كانت الأسافل مثقلة بالأعالي، وإذ كان الانتصاب يسرع في إدخال الوهن على الأصلاب؛ ولأن ذلك أبقى على نور البصر، وأصلح لقوة الناظر؛ إذ كل واحدٍ من هذه المصاحف قد أعجز يدي بثقل جرمه، وضيق صدري بجفاء حجمه. وإذا ثقل أنكأ الصدر، وأوهن العظم.

وإذا أنا نظرت فيها وانا جالسٌ سدرت عيني، وتقوس ظهري، واجتمع الدم في وجهي، وأكرهت بصري على غير جهته، وأجريت شعاع ناظري في غير مجراه.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account