فإن مسرف بن عقبة المرّيَّ، حين كان أباح المدينة، زعموا أنه قد كان هناك أمرٌ قبيحٌ من السودان والجند، وفي ذلك يقول شاعر من شعراء مضر:
فسائلْ مسرف المُرِّىَّ عنكم ... غداة أباح للجند العذارى
فمازجكم على حنق زنوجٌ ... وفزَّ الشام كالأسد الضواري
ودافع وهرزٌ والرس عنكم ... ورأس الحبش يحكم في ذمار
فأفسد نسلكم بسواد لونٍ ... وأيرٍ مثل غرمول الحمار
فذكر إباحة الحبش لليمن كما ذكر إباحة مسرفٍ للمدينة.
وأما قوله:
حمارة جمعت من كل محزوة ... جمع الشُّبيكة نون الزاحر اللَّجب
فإنه ذهب إلى ما تقوله الرواة أن حمير كانت حَمَّارة.
وأما الشُّبيكة فأراد الشبكة.
وقال السودان: فهذا الفضل فينا، ولم يصلِّ النبي صلى الله عليه وسلم قط إلا على جنازةٍ أو قبر، إلا النجاشىّ فإنه صلّى عليه وهو بالمدينة وقبر النَّجاشيّ بالحبشة.
قالوا: والنجاسي هو كان زوَّج أمَّ حبيبة بنت أبي سفيان من النبي صلى الله عليه وسلم، ودعا خالد بن سعيدٍ فجعله وليَّها، وأصدق عن النبي صلى الله عليه وسلم أربعمائة دينلر.
قالوا: وثلاثة أشياء جاءتكم منْ قبلنا. منها الغالية، وهي أطيب الطيب وأفخره وأكرمه. ومنها النَّعْش وهو أستر للنساء وأصون للحرم. ومنها المصحف، وهو أوقى لما فيه وأحصن له، وأبهى وأهيأ.
قالوا: ونحن أهول في الصدور وأملأ للعيون، كما أن المسوِّدة أهول في العيون وأملأ للصدور من المبيِّضة، وكما أن الليل أهول من النهار.
قالوا: والسَّواد أبداً أهول. وإن العرب لتصف الإبل فتقول: الصُّهب سرع، والحُمْر غزْر، والسُّود بهْي. فهذا في الإبل.
قالوا: ودهم الخيل أبهى وأقوى، والبقر السود أحسن وأبهى، وجلودها أثمن وأنفع وأبقى. والحمر السُّود أثمن وأحسن وأقوى. وسود الشَّاء أدسم ألباناً وأكثر زبداَ، والدبس أغزر من الحمر.
وكل جبلٍ وكل حجرٍ إذا كان أسود كان أصلب صلابةً وأشد يبوسةً. والأسد الأسود لا يقوم له شيء.
وليس من التمر أحلى حلاوةً من الأسود، ولا أعم منفعةً ولا أبقى على الدهر. والنخيل أقوى ما تكون إذا كانت سود الجذوع.
وجاء: " عليكم بالسواد الأعظم " . وقال الأنصاري:
أدين وما ديني عليَّ بمغرمٍ ... ولكن على الشُّمِّ الطوال القراوح
على كل خوارٍ كأن جذوعها ... طلين بقارٍ أو بدمِّ ذبائح
قالوا: وأحسن الخضرة ما ضارع السَّواد. قال الله جلّ وعلا: " ومن دونهما جنتان " ، ثم قال لما وصفهما وشوَّق إليهما: " مدهمتان " قال ابن عباس: خضراوان من الرّيّ سوداوان.
وليس في الأرض عودٌ أحسن خشباً ولا أغلى ثمناً، ولا أثقل وزناً ولا أسلم من القوادح، ولا أجدر أن ينشب فيه الخطُّ من الآبنوس. ولقد بلغ من اكتنازه والتئامه وملوسته وشدة تداخله، أنه يرسب في الماء دون جميع العيدان والخشب. ولقد غلب بذلك بعض الحجارة؛ إذ صار يرسب وذلك الحجر لا يرسب.
والإنسان أحسن ما يكون في العين ما دام أسود الشعر. وكذلك شعورهم في الجنة.
وأكرم ما في الإنسان حدقتاه؛ وهما سوداوان. وأكرم الأكحال الإثمد، وهو أسود. ولذلك جاء أن الله يُدخل جميع المؤمنين الجنة جُرداً مُرداً مكحَّلين.
وأنفع ما في الإنسان له كبده التي بها تصلح معدته، وينهضم طعامه، وبصلاح ذلك قام بدنه؛ والكبد سوداء.
وأنفس ما في الإنسان وأعزُّه سويداء قلبه، وهي علقةٌ سوداء تكون في جوف فؤاده، تقوم في القلب مقام الدماغ من الرأس.
ومن أطيب ما في المرأة وأشهاه شفتاها للتقبيل، وأحسن ما يكونان إذا ضارعتا السَّواد.
وقال ذو الرُّمَّة:
لمياء في شفتيها حُوَّةٌ لمس ... وفي اللثات وفي أنيابها شنب
وأطيب الظِّلِّ وأبرده ما كان أسود. وقال الراجز: " سود غرابيب كأظلال الحجر " .
وقال حميد بن ثور:
ظللنا إلى كهفٍ وظلَّت ركابنا ... إلى مستكفاتٍ لهنَّ غروب
إلى شجرٍ ألمى الظلال كأنه ... رواهب أحرمن الشراب عذوب
وجعل الله الليل سكناً وجماما، والنهار للكسب والكدّ.