وقد رأينا النساء أضعف من الرجال عُقولاً، والصِّبيان أضعف عقولا منهم، وهم أبخل من النساء، والنِّساء أضعف عقولاً من الرجال. ولو كان العقل كلَّما أشدَّ كان صاحبه أبخل، كان ينبغي أن يكون الصبيُّ أكرم الناس خصالاً. ولا نعلم في الأرض شرّاً من صبيّ: هو أكذب الناس وأنم الناس، وأشره الناس وأبخل الناس، وأقل الناس خيراً وأقسى الناس قسوة.
وإنما يخرج الصبيُّ من هذه الخلال أولاً فأولاً، على قدر ما يزداد من العقل فيزداد من الأفعال الجميلة.
فكيف صار قلّةُ العقل هو سبب سخاء الزِّنج، وقد أقررتم لهم بالسِّخاء ثم ادَّعيتم ما لا يُعرف. وقد وقفناكم على إدحاض حجتكم في ذلك بالقياس الصحيح.
وهذا القول يوجب أن يكون الجبان أعقل من الشُّجاع، والغادر أعقل من الوفى. وينبغى أن يكون الجزوع أعقل من الصَّبور. فهذا ما لا حجة فيه لكم، بل ذلك هبةٌ في الناس منالله.والعقلهبةٌ، وحسن الخلق هبة، والسَّخاء والشجاعة كذلك.
وقد قالت الزِّنج للعرب: من جهلكم أنَّكم رأيتمونا لكم أكفاءً في الجاهلية في نسائكم، فلمَّا جاء عدل الإسلام رأيتم ذلك فاسداً، وما بنا الرغبة عنكم. مع أن البادية منا ملأى ممن قد تزوَّج ورأس وساد، ومنع الذِّمار، وكنفكم من العدوّ.
قال: وقد ضربتم بنا الأمثال وعظَّمتم أمر ملوكنا، وقدَّمتموهم في كثيرٍ من المواضع على ملوككم. ولو لم تروا الفضل لنا في ذلك عليكم لما فعلتم.
وقال النَّمْر بن تولب:
أتى ملكه ما أتى تُبّعاً ... وأبرهة الملك الأعظما
فرفعه على ملوك قومه.
وقال لبيد بن ربيعة:
لو كان حيٌّ في الحياة مخلِّداً ... في الدهر أدركه أبو يكسوم
وهذا شيءٌ من وصف الفضل لم يوصف أحدٌ بمثله.
قالوا: ومما قدَّمتم به ملوكنا على ملوككم قوله:
غلب الليالى خلف آل مُحرِّق ... وكما فعلن بتُبّع وبهرْقل
وغلبن أبرهة الذي ألفيته ... قد كان خُلِّد فوق غُرفة موْكل
فقدم أبرهة وأراد التَّسوية.
قالوا: ومن الحبشة عكيمٌ الحبشى، وكان أفصح من العجَّاج. وكان علماء أهل الشام يأخذون عنه كما أخذ علماء أهل العراق من المنتجع بن نبهان.
وكان المنتجع سنديّاً في أذنه خُرْبة، وقع إلى البادية وهو صبيٌّ، فخرج أفصح من رؤبة.
ولما قال حكيم بن عيّاشٍ الكلبى:
لا تفخرنَّ بخالٍ من بنى أسد ... فإنَّ أكرم منها الزِّنج والنُّوب
اعترض عليه عُكيمٌ الحبشى، فقال:
ويوم غُمدان كنَّا الأُسد قد علموا ... ويوم يثرب كنَّا فِحْلة العرب
وليلة الفيل إذ طارت قلوبهم ... وكلُّهم هاربٌ موفٍ على قتب
منّا النَّجاشى وذو العقصين صهركم ... وجدُّ أبرهة الحامى أبي طلب
هبْنى غفرت لعدنانٍ تهكُّمهمْ ... فما لحمير والمقوال في النسب
حمَّارة جُمعت من كلِّ محربةٍ ... جمع الشُّبيكة نون الزَّاخر اللَّجب
غمدان: حصنٌ كان ينزله الملك الذي يكون على اليمن، وكان عجميّاً، فلما ملكت الحبشة اليمن أخربته إلا بقايا هدمها عثمان بن عفان رضي الله عنه في الإسلام. وقال: " ينبغى لمآثر الجاهليَّة أن تُمحى " . وكان في الحصن مصنعةٌ عليها قُبّةٌ من طلق، وفيها يقول خلفٌ الأحمر:
ومصنعة الطِّلْق أودى بها ... عوادى الأحابيش بالصَّيدن
وفيها يقول قدامة حكيم المشرق، وكان صاحب كيمياء:
فأوقد فيها ناره ولو أنَّها ... أقامت كعمر الدهر لم تتصرَّم
لأن الطلق لو أوقد عليه ألف عامٍ لم يسخن. وبه يتطلَّى النّفَّاطون إذا أرادوا الدخول في النار.
وقال لبيد:
أصاحِ ترى بُريقاً هبَّ وهناً ... كمصباح الشَّعيلة في الذُّبال
أرقت له وأنجد بعد هدءٍ ... وأصحابى على شعب الرِّحال
يُضىء ربابه في المزن حُبشاً ... قياماً بالحرب وبالإلال
وقال ذلك لبيدٌ لأنهم إذا أقبلوا بحرابهم ورماحهم وقسيِّهم وسيوفهم، وراياتهم، وخيولهم وفيولهم، مع سواد ألوانهم وضخم أبدانهم رأيت هوْلاً لم تر مثله ولم تسمع به، ولم تتوهَّمه.
وأما قوله: ويوم يثرب كنَّا فحلة العرب.