FluentPlex

The Epistles

عناية الأشراف بالبغال

Texte original Public domain

Lire avec le dictionnaire

نبدأ إن شاء الله، بما وصف الأشراف من شأن البغلة، في حُسن سيرتها، وتمام خلقها، والأمور الدالَّة على السرّ الذي في جوهرها، وعلى وجوه الارتفاق بها، وعلى تصرُّفها في منافعها، وعلى خفّة مئونتها في التنقّل في أمكنتها وأزمنتها، ولم كلف الأشراف بارتباطها، مع كثرة ما يزعمون من عيوبها؟ ولم آثروها على ما هو أدوم طهارة خُلُقٍ منها؟ وكيف ظهر فضلها مع النقص الذي هو فيها؟ وكيف اغتفروا مكروه ما فيها، لما وجدوا من خصال المحبوب فيها؟ حتى صار الرجل منهم يُنشد العُذّال فيها كقول السَّعديّ:

أخٌ لي كأيَّام الحياة إخاؤه ... تلوَّن ألْواناً عليَّ خُطوبُها

إذا عبْت منه خصلةً فهجرْتُهُ ... دعتْني إليه خصْلةٌ لا أعيبُها

ولقد كلف بارتباطها الأشراف، حتى لُقِّب بعضهم من أجل استهتاره بها ب " روَّاض البغال " ، ولقَّبوا آخر: ب " عاشق البغل " ؛ هذا مع طيب مغارسهم، وكرم نصابهم، ولذلك قال الشاعر:

وتثعْلب الرَّوَّاضُ بعْد مراحه ... وانْسلَّ بيْن غرارتيْه الأعْورُ

وهجاه أيضاً الفرزْدق بأمر الحجَّاج، ففحُش عليه، حتى قال:

وأفْلت روَّاض البغال ولمْ تدعْ ... له الخْيْلُ منْ أحْراح زوجيْه معْشرا

وقال لشريف آخر:

ما زلْت في الحْلبات أسْبق ثانياً ... حتَّى رُميت بعاشق البغلِ

لو كان شاور ما عبأْت به ... يوم الرِّهانِ وساعة الحفْلِ

وشاور هذا: رائضٌ كان ببغداد، والشاعر رجلٌ من بني هاشم؛ ولم يعْنِ بقوله " ما زلت في الحلبات أسبق ثانيا " : أنه جاء ثانى اثنين، وإنما ذهب إلى أنه جاء متمهِّلاً، وقد ثنى من عنانه.

وكتب روْح بن عبد الملك بن مروان إلى وكيلٍ له: " أبغنى بغلةً حصَّاء الذَّنب، عظيمة المحْزم، طويلة العُنق، سوْطُها عنانها، وهواها أمامها " .

وكان مَسْلمة بن عبد الملك يقول: " ما ركب الناس مثل بغلةٍ قصيرة العذار، طويلة العنان " .

وقال صفوان بن عبد الله بن الأهْتم، لعبد الرحمن بن عبّاس بن ربيعة بن الحارث بن المُطَّلب، وكان ركَّاباً للبغلة: " مالك وهذا المركب الذي لا تُدْرك عليه الثار، ولا يُنجيك يوم الفرار؟ " قال: " إنها نزلت عن خُيلاء الخيل، وارتفعت عن ذِلّة العَيْر، وخير الأمور أوساطها " . فقال صفوان: " إنّا نُعلِّمكم، فإذا علمتم تعلَّمنا منكم! وهو الذي كان يُلقَّب: " روَّاض البغال " ؛ لحذقه بركوبها، ولشغفه بها، وحُسن قيامه عليها. وكان يقول: " أريدها واسعة الجُفرة، مُنْدحَّة السُّرَّة، شديدة العكْوة، بعيدة الخطوة، ليِّنة الظهر، مُكْرَبَة الرُّسْغ، سفْواء جرْداء عنقْاء، طويلة الأنقاء " .

وقال ابن كُناسة: سمعت رجلاً يقول: " إذا اشتريت بغلة فاشترها طويلة العُنق، نجْدةً في نجائها مُشرفة الهادى، نجْدةً في طباعها، ضخمة الجوْف، نجدةً في صبرها " .

والعرب تصف الفرس بسعة الجوف. قال الراجز:

غشمْشمٌ يَعْلو الشَّجرْ ... ببطْنه يعْدو الذَّكرْ

قال الأصمعيّ: لم يسبق الحْلبة قطُّ أهضم.

وقال يونس: كان نابعة الجعْديُّ أوصف النَّاس لفرس، قال: فأنشدت رُؤبة قوله: فإن صدقوا قالوا: جوادٌ مُجرَّبٌ ضليعٌ، ومنْ خير الجياد ضليعها فقال: ما كنت أظنُّ المرْهف منها إلا أسرع.

قالوا: ولم يكن رؤبة وأبوه صاحبيْ خيل.

وقال سليمان بن عليّ لخالد بن صفوان، ورآه على حمار: ما هذا يا أبا صفوان؟ قال: أصلح الله الأمير، ألا أُخبرك عن المطايا؟ قال: بلى. قال: " الإبل للحمل والزَّمْل، والبغال للأسفار والأثقال، والخيل للطَّلب والهرب، والبراذين للجمال والوطاءة، وأما الحمير فللدَّبيب والمرْفق " .

قالوا: وكانت للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بغلة تسمَّى " دُلْدُل " ، وحمار يُسمَّى " يعفْور " ، وفرس يُسمَّى " السَّكْب " ، وله ناقتان: " العضْباء " ، " والقصْواء " .

قالوا: وكان عليّ بن أبي طالب، رضوان الله عليه، يُكثر ركوب بغلة عبد الله بن وهْب الشهباء، التي غنمها يوم النَّهْروان. هذا في قول الشيعة، وأما غيرهم فينكرون أن يكون عليّ، كرم الله وجهه، يرى أن يغنم شيئاً من أموال أهل الصلاة، كما لم يغنم من أموال أصحاب الجْمل.

قال البُقْطُريّ، ويُكنى أبا عثمان، واسمه فهدان:

Survolez n’importe quel mot de cette page pour voir son sens

Avec un compte gratuit, survolez n’importe quel mot de la bibliothèque pour voir son sens, écoutez-le lu à voix haute, enregistrez des mots pour des révisions calées sur votre mémoire, et voyez quelle part de chaque livre vous connaissez déjà.

Créer un compte gratuit