FluentPlex

The Epistles

عناية الأشراف بالبغال

Original text Public domain

Read with the dictionary

فولاه المأمون التصنيف، وأمر للجند برزق شهرين، فولّى حميدٌ العطاء والتصنيف محمود ابن عبد الكريم الكاتب، وعرف محمود ما غزا حميد، فتحامل على الناس واستعمل فيهم الأحقاد والدمن، فخفض الأرزاق، وأسقط الخواصَّ، وبعث في الكور وأنحى على أهل الشرف والبيوتات، حسداً لهم وإشفاءً لغليل صاحبه منهم، فقصد لهم بالمكروه والتعنّت، فامتنعت طائفة من الناس من التقدم إلى العطاء وتركوا أسماءهم، وطائفة انتدبوا مع طاهر بن الحسين بخراسان، فسقط بذلك السبب بشرٌ كثير.

ثم إنّ المأمون أمر للناس بتمام عطاياهم؛ واكتسب محمود بن عبد الكريم المذمَّة، وصار ملعنةً في محالِّ بغداد وفي مجالسها وطرقها.

ومنهم: زيد بن أيوب الكاتب، عمل في ديوان الجند أربعين سنة، ثم صار في آخر عمره قواداً ليحيى بن أكثم القاضى. وذلك أن المأمون أمر له بفرض، فصّير يحيى بن أكثم أمر ذلك الفرض إلى زيد بن أيوب، وأمره ألا يفرض إلا لأمرد بارع الجمال، حسن القد والصورة. فكان آمر ذلك الفرض مشهوراً متعالماً. ففي ذلك يقول الحسن بن علي الحرمازيّ لزيد بن أيوب:

يا زيد يا كاتب فرض الفراش ... أكلُّ هذا طلبٌ للمعاش

مالي أرى فرضك حملانهم ... يثبت في القرنين قبل الكباش

وعلى ذلك فإنه لم يبلغني أنه كان في ولاة ديوان الجند ولا في كتابهم مثل المعلّى بن أيوب في نبله وارتفاع همته، وكرم صحبته، وعفافه، وجميل مذهبه، وشدة محاماته عمن صحبه وتحرَّم به. فكان المأمون يعرف له ذلك ومن بعده من الخلفاء، فثبتت وطأته، ودامت ولايته، وحمد أثره.

قد أتينا على بعض ما أردنا فيما له قصدنا، ولم نستعمل الانتزاعات فيما ذكرنا، وأعرضنا عن التأويلات فيما وصفنا، وقصدنا إلى المأثور فحكيناه، وإلى المذكور في الأزمنة فأجريناه، لئلا يجد الطاعن فيما وصفنا مقالا، والمنكر لذمّ ما ذممنا مساغا، وعلمنا أن من عاند مع ذلك فقد دفع عيانا وأنكر كائنا مذكوراً. وفي ذلك دليلٌ باهر على اضمحلاله، وشاهدٌ عدلٌ لأضداده.

ولو حكينا كلّ ما في هذا الجنس من الأقوال، وما يدخله من المقايسات والأشكال، لطال الكتاب،ولمله الناظر المعجاب، فاكتفينا بالجزء من الكتاب، والبعض دون التمام، وعلمنا أنَّ الناظر فيه إن كان فطناً أقنعه القليل فقضى، وإن كان بليداً جهولا لم يزده الإكثار إلا عيّاً، ومن العلم بما له قصدنا إلا بعدا. وبالله الكفاية والتوفيق.

تمَّ كتاب " ذم أخلاق الكتاب " بعون الله ومنِّه ومشيئته وتوفيقه، والله تعالى الموفق للصواب. والحمد لله أولا وآخراً، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وأصحابه الطيبين الطاهرين وسلامه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

الرسالة السادسة عشرة

كتاب البغال

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وعلى اسم الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على سيدنا محمد خاصة، وعلى أنبيائه عامة.

كان وجه التدبير في جملة القول في البغال، أن يكون مضموما إلى جملة القول في الحافر كله، فيصير الجميع مصحفاً تاما، كسائر مصاحف " كتاب الحيوان " . والله المقدر والكافى.

وقد منع من ذلك ما حدث من الهم الشاغل، وعرض من الزماتة، ومن تخاذل الأعضاء، وفساد الأخلاط، وما خالط اللسان من سوء التبيان، والعجز عن الإفصاح، ولن تجتمع هذه العلل في إنسانٍ واحد، فيسلم معها العقل سلامةً تامةً.

وإذا اجتمع على الناسخ سوء إفهام المملى، مع سوء تفهم المستملى، كان ترك التكلف لتأليف ذلك الكتاب أسلم لصاحبه من تكلف نظمه على جمع كلِّ البال، واستفراغ كلِّ القوى.

فأما الهمّة وتشعب الخواطر المانعة من صحة الفكر، واجتماع البال، فهذا ما لابدَّ من وقوعه.

فليكن العذر منك على حسب الحال، والخيرة فيما صنع الله. وقد علمنا أن الخيرة مقرونة بالكره، وبالله التوفيق.

عناية الأشراف بالبغال

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account