FluentPlex

Table-Talk

وأحد طلاب التصرف

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

فقال له الوزير: يا هذا قد وسوست، أي شيء كان أول هذا؟ والله، ما نطق هذا الفتى في أمرك بحرف، ولا سمعت قط ذكرك بما يوجب عتباً عليه، وكيف علي في تمكيني منه، ولو فعل ذلك، لغض بي عندي من نفسه.

فاستحيا أبي، وعلم أني لم أخاطب الوزير بشيء، وأمسك.

فقال له الوزير: لا بد أن تحدثني بما بينكما، فإنك ما حملت نفسك على الرجوع، إلا لأمر عظيم، وهو ذا أرى الحسن أيضاً به أثر قبيح، وقد سألته، فقال: إن كرة أفلتت من يدي غلمان ضرب معهم بالصولجان فأصابت وجهه، فوقع لي أنه صادق، فلما جئت الآن، وقدرت أنه قد شكاك، وقع لي إن هذا شيء من فعلك، ولا بد أن تصدقني.

قال: فقص عليه أبو الهيجاء القصة، كما جرت.

فأقبل عليه علي بن عيسى، وقال: أما تستحي يا أبا الهيجاء، أن يكون هذا قدر حلمك عن ابنك، وأكبر ولدك؟ فإذا كنت بهذا الطيش معه، فكيف تكون مع الغريب؟ وأي شيء كان في مسألته لك أن تهب له ضيعة؟ ولو فعلت ذلك، ما كان ذلك بدعاً من بر الآباء بأولادهم. ولما لم تسمح له بذلك، قد كان يجب أن ترده رداً جميلاً، أو قبيحاً إذا اغتظت، وأما أن تبلغ به ضرب السياط، آه، آه.

قال: وزاد عليه في العتب والتوبيخ، وهو مطرق مستحيي.

حتى قال له: وليس العجب من هذا، حتى رجعت من عملك، غيظاً عليه، وقدرت أنه قد شكاك إلي، وأني أطلق له أن ينقصك، فجئت عاتباً علي، لوهم توهمته فيه.

قال: فأخذ أبي يعتذر إليه من ذلك.

فقال: والله، ما أقبل عذرك، ولا تنغسل عن نفسي هذه الآثار، إلا بأن تشهد لحسن بالضيعة، وتهبها له، جزاء عن ظلمك إياه.

فقال: السمع والطاعة لأمر الوزير.

فقال لي علي بن عيسى: انكب على رأس أبيك ويده فقبلهما.

قال: ففعلت ذلك.

وجذب علي بن عيسى دواته ودرجاً، فأعطاهما أبا الهيجاء، وقال: اكتب له بالضيعة، إلى أن تشهد، فكتب أبي بالضيعة لي.

وقال الوزير: خذ، خذ، فإذا عاد إلى البيت، فاكتب عليه العهد بالوثيقة، وأشهد عليه جماعة من العدول،فإن امتنع عرفي حتى أطالبه لك بذلك.

قال:وخرجنا ونحن مصطلحون.

فلما صرنا في الدهليز، قال أبي: يا حسن أنا علمتك على نفسي، بالوصية التي وصيتك بها، كأني بك وقد جئت لتشكوني، فلما صرت في الدهليز ذكرت وصيتي لك، فقلت: لأن أستعملها مع أبي، أولى بي، فلما صرت في مجلس الوزير، قلت له ما قلت، ولم تشكني إليه.

قلت: والله يا سيدي كان.

فقال: إذا كان فيك من الفضل ما قد حفظت معه وصيتي، في مثل هذه الحال، فما ترى بعدها مني ما تكرهه.

فقبلت يده، وعدت معه إلى دارنا.

فسلم إلي الضيعة، وأشهد بها لي، وصلحت نيته بعد ذلك، واستقامت الحال بيننا.

وكان قبول تلك الوصية أبرك شيء علي.

بين ابن أبي البغل عامل أصبهان

وأحد طلاب التصرف

حدثني أبو القاسم سعد بن عبد الرحمن الأصبهاني، كتاب الأمير أبي حرب، سند الدولة، الحبشي بن معز الدولة، ومحله من النبل والجلالة والثقة، والأدب، والعلم، مشهور، قال: كان أبو الحسين بن أبي البغل، يتقلد بلدنا، فأخبرني من حضر مجلسه، فقد دخل إليه شيخ قدم من بغداد، بكتب من وزير الوقت، ومن جماعة رؤساء الحضرة، وإخوان أبي الحسين بها، يخاطبونه بتصريفه ونفعه.

فسلم وجلس، وأصل الكتب، وصادف منه ضجراً وضيق صدر، وكانت إضبارة عظيمة، فاستكثرها بن أبي البغل،ولم يقرأها جميعها.

فقال له الرجل: إن رأيت أن تقرأها، وتقف على جميعها.

فصخب، وتغيظ، وقال: أليس كلها في معنى واحد؟ قد والله بلينا بكم يا بطالين، كل يوم يصير إلينا منكم واحد يريد تصرفاً، لو كانت خزائن الأرض إلي، لكانت قد نفذت.

ثم قال للرجل: يا هذا، ما لك عندي تصرف، ولا إلي عمل شاغر أرده إليك، ولا فضل في مالي أبرك منه فدبر أمرك بحسب هذا.

قال: والرجل ساكت جالس، إلى أن أمسك ابن أبي البغل.

فلما سكت، ومضت على ذلك ساعة قام الرجل قائماً، وقال: أحسن الله جزاءك، وتولى مكافأتك عني بالحسنى، وفعل بك وصنع.

قال: وأسرف الرجل في شكره، والدعاء له، والثناء عليه، بأحسن لفظ، وأجود كلام، وولى منصرفاً.

فقال ابن أبي البغل: ردوا من خرج.

وقال له: يا هذا، هو ذا تسخر مني؟، على أي شيء تشكرني؟ على أياسي لك من التصرف، أو على قطع رجائك من الصلة، أو على قبيح ردي لك عن الأمرين، أو تريد خداعي بهذا الفعل؟

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا