ولم أعرف ما في نفسه، فدخلت الخيش، فلما حصلت عنده فيه، جعل يستدنيني، ولا أعلم غرضه، إلى أن صرت بقربه، فضرب بيده، يولع " 91 " بي، فعلمت أن شرطه في اللواط، أصحاب اللحى الطرية.
فصعب علي ما تم من ذلك، وقلت: كيف أصنع؟ ليس إلا التطايب.
قال: فقلت له، يا سيدي أي شيء تريد؟ قال: أريد أن أفعل كذا وكذا.
فقلت: يا سيدي، براءتي معي، وقبضت على لحيتي.
قال: لا تفعل، هذه براءة مزورة.
قلت: كيف؟ قال: لأني ما وقعت فيها بقلمي.
من شعر سيدوك الواسطي
أنشدني أبو طاهر المعروف بسيدوك الواسطي لنفسه:
هات اسقنيها كلمح البرق ما مزجت ... إلا لتسيير سقلاطونها فينا
إذا لواعب آذريونها عبثت ... بجلنار سناها هز نسرينا
أدير في الكأس ذر الشمس إذ رقصت ... والماء نغرف من نار كماشينا
وأنشدني لنفسه من أبيات:
ما أكثر الشعراء مذ قتل الندى ... والشعر أعوز من دموع الأرقم
وأنشدني لنفسه قصيدة يمدح بها أبا الحسن عمران بن شاهين، أمير البطيحة وفيها ذكر الهدري الذي يقاتل به، هو وأصحابه، وهو شبيه الحراب، يقول:
تسبي النفوس حراب ما أدرت بها ... كأس المنية إلا رحت ذا طرب
تظل من فضة حتى إذا وردت ... أصدرتها من دم الأبطال من ذهب
من كل مقلية الجنبين ماضية ... قدت من الشمس أو قدت من اللهب
من شعر أبي إسحاق الصابي
أنشدني أبو الحسن محمد بن غسان بن عبد الجبار، قال: أنشدني أبو إسحاق إبراهيم بن هليل الصابي الكاتب لنفسه:
تورد دمعي فاستوى ومدامتي ... فمن مثل ما في الكأس عيني تسكب
فوالله ما أدري أبا لخمر أسلبت ... جفوني أم من دمع عيني أشرب
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:
ما زلت في سكري ألمع كفها ... وذراعها بالقرص والآثار
حتى تركت أديمها وكأنما ... غرس البنفسج منه في الجمار
قال: وأنشدني لنفسه:
فديت من سارقني لحظها ... من خيفة الناس بتسليمته
لما رأت بدر الدجى زاهياً ... وغاظها ذلك من شيمته
سلت له البرقع عن وجهها ... فردت البدر إلى قيمته " 92 "
وأنشدني، قال: قرأت على ظهر دفتر:
كنا نزوركم والدار دانية ... في كل وقت فلما شطت الدار
صرنا نقدر وقتاً في زيارتكم ... وليس للشوق في الأحشاء مقدار
الحسن بن عون الموسوس
حدثني أبو الحسن محمد بن غسان الطبيب، قال: كان عندنا بالبصرة في البيمارستان، رجلٌ موسوس، يعرف بالحسن ابن عون، من أولاد الكتاب، حبس في البيمارستان للعلاج، في سنة اثنتين وأربعين وثلثمائة.
وطال حبسه سنين، ثم صلح، فاستخدم في البيمارستان، إلى أن تكامل صلاحه.
وكنت أختلف إلى البيمارستان، لتعلم الطب، فكنت أشاهده كثيراً، فأول يوم علمت أنه يقول الشعر، سمعته وهو يقول:
أدافع همي بالتعلل والصبر ... وأمنع نفسي بالحديث عن الفكر
وأرجو غداً حتى إذا ما غدٌ أتى ... تزايد بي همي فأسلمني صبري
فلا الهم يغنيني ولا العمر ينقضي ... ولا فرج يأتي سوى أدمع تجري
إلى الله أشكو ما أقاسي فإنه ... عليم بأني قد تحيرت في أمري
وعرفت حاله في أدبه، بإنشاده إياي كل يوم قطعة من شعره، يعملها بحضرتي.
وشاهد عمل الجلنجبين بالورد في البيمارستان، فقال: وأنشدنيه لنفسه:
أنظر إلى الورد في أكفهم ... يطبع للقاطفين من ورقه
كالقلب نار الهوى تحرقه ... والقلب يهوى الهوى على حرقه
وحملت إليه شيئاً من المأكول، اشتهاه عليّ، فكتب إلى جانب حائط:
حصرت من ظرف ما بعثت به ... وقلت: يا سيدي ومولاي
لو أن أعضاء شاكرٍ نطقت ... بالشكر أثنت عليك أعضاي
ما نفت للكرام كلهم ... ويا صباحي كمثل ممساي
لو أن ما بي ببعض أعداي ... بكيت مما أرى بأعداي
حكاية ديوث
حدثنا القاضي أبو القاسم عمر بن حسان بن الحسين: