فقال لي: يا أبا القاسم، وقد كان كناه أول ما استوزره، وكان يتكنى على الناس إلا على بدر، وصاحب خراسان، وكان هو وبدر يتكاتبان بالكاف، والدعاء بينهما سواء.
قال المعتضد: يا أبا القاسم، قرأت الكتاب؟ فقلت: نعم.
فقال: قد سرني ما ذاع من مروءة حامد، وهيبته بذلك في نفوس الرعية، فكم رزقه؟ فقلت: ألفان وخمسمائة دينار في الشهر.
فقال: اجعلها ثلاثة آلاف، ليستعين بها على مروءته.
المعتضد يعفي عاملاً من المطالبة
لما ظهر من مروءته
قال: ثم قال أبو الحسن بن الفرات، عقيب هذا: وقد فعل المعتضد، قريباً من هذا، مع أبي العباس أحمد بن بسطام، فإن المعتضد، طالبه، بعجز ضمانه واسط، وحبسه في دار ابن طاهر، وألزم سبعين ألف دينار يؤديها، فكان يصححها على جميل، وهو موكل به من قبل المعتضد في دار ابن طاهر، وأصحاب عبيد الله يطالبونه، ويقتضون المال.
فكتب النوشجاني، صاحب الخبر، فيه: أنه كان يفرق في أيام ولايته، في كل شهر، عشرين كراً، حنطة ودقيقاً، على حاشيته، وعلى المستورين والفقراء، وأنه فرق في هذا الشهر الأكرار على رسمه، ولم يقطعها، وهو مع ذلك يماطل بأداء ما عليه.
فلما دخل عبيد الله على المعتضد، أراه الرقعة، فسكت عبيد الله، فقال له المعتضد: قد سرني هذا، لأن ابن بسطام رجل مشهور بعظم المروءة، وكثرة المعروف، وقد جملنا بما قد فعله، حين لم يظهر أن ما قد ألزمناه أحوجه إلى الزوال عن عادته في المعروف، فكم بقي عليه؟ قال: بضعة عشر ألف دينار.
فقال: أسقطها عنه، ورده إلى عمله، وعرفه إحمادي ما قد فعله.
فامتثل عبيد الله ذلك.
علو نفس الحسن بن مخلد
حدثني أبو الحسين، قال: سمعت أبا عبيد الله أحمد بن محمد بن بدر ابن أبي الأصبغ، يحدث أبي، قال: كنت أتصرف مع سليمان بن وهب، لقرابة كانت بيننا من جهة النساء، وكانت حالي بصحبته في نهاية السعة، حتى أنه كان يطحن الزعفران في داري، كما يطحن الناس الدقيق " 43 " ، لكثرة ما كان يجيئنا من الجبل، ونستعمله، ونهديه.
فولي سليمان ديوان الخراج، فكنت أحد عماله فيه، فوقعت بيني وبين ابنه عبيد الله، نفرة، فلزمت منزلي أياماً.
فما شعرت إلا برقعة الحسن بن مخلد، يستدعيني وهو يتولى ديوان الضياع، وكانت بينهما مماظة، فمضيت إليه، فقال لي: أنت معطل ولا تصير إلي؟ وقد انفصل ما بينك وبين أبي أيوب؟ فقلت: يا سيدي، كيف ينفصل ما بيننا، مع القرابة؟ ولكن بيننا عتب.
فقال: دع ذا، أنت معطل، وما تبرح حتى أقلدك عملاً.
قال: وأراد اجتذابي لناحيته، وكان الناس - إذ ذاك - يتغايرون على الكفاة.
فقلدني أعمال السيب الأسفل، وقسين، وجنبلا، وكانت تجري في ديوانه، فقبلتها.
وخرجت إليها، وكان الأرز قد قارب الإدراك، فقدرته، وعدت إلى سر من رأى، لأشرح له حال التقدير، وأستأمره في العمل.
فلما بصر بي قال: قد قدمت على فاقة مني إليك، قد تأذيت بالفلاحين، وأريد لهم عشرة آلاف دينار سلفاً لما يقيمونه في جبل باسورين من الثلج.
فقلت له: الأرز خافور، وما بلغ إلى أن يحرز.
فقال: لا بد من أن تستفرغ جهدك، وحيلتك، في هذا، حتى تخفف عني.
وكان، أول خدمة، فاحتجت أن أضطرب، لأصنع نفسي عنده، فخرجت مفكراً فيما أعمله.
فلإقبالي، لقيني رجل من وجوه التجار في الطريق، وكانت بيننا مودة، وكان موسراً، وكان جميع متجره غلات السلطان، فبدأني بالعتاب على تركي مبايعته شيئاً بالسلف من غلات عملي.
فاجتذبته إلى منزلي، وقلت: البيت لك، فاحتفل، ولو رأيتك ما عدلت عنك.
قال: فأقام عندي يومه، ولم أزل حتى بعته بحساب الكر الأرز المعدل، بسبعة دنانير، وكنت قد قدرت الحاصل فيه للسلطان، ثلاثة آلاف كر معدل، وسثنيت عليه في كل كر ديناراً، وأخذت خطه بضمانة تعجيل عشرة آلاف دينار، لمن يؤمر بأدائها إليه.
ورحت إلى دار الحسن بن مخلد، فوجدته نائماً، والناس " 44 " مطرحون في داره، ثم دخلت إليه، وشرحت له الصورة، فسر بها، وأمر بإحضار صاحب مجلس النفقات في الديوان، وسلم الرقعة إليه، وقال: أحل الفلاحين على هذا التاجر.
فلما خلا مجلسه، تقدمت إليه، وعرفته خبر الاستثناء، وأريته الخط، وقلت: إلى من أسلم المال، إذا قبض؟ فلم يجبني، فألححت عليه.