FluentPlex

Table-Talk

بتعذيب الوزير المصروف

Original text Public domain

Read with the dictionary

واعتمد الموفق عليّ في ذلك، لشدة اهتمامه به، لأقوم به - إذا لم يطلق المال - بمالي وجاهي، وحيلتي، فأفقرني ذاك.

وكان عبيد الله بن سليمان، وأبوه، وهما مقيمان " 36 " بالحضرة، يقصداني، ويريثان المال عليّ، فأحفظني ذلك عليهما، واقتصر لي، على ألفي دينار في كل يوم، عاجلة، وألف بحوالات لا تروج، فكنت أحتاج أن أرهن سيوفي، وسروجي، وأدخل كل كدخل، حتى أقيم الأنزال.

ووقعا لي في بعض الأيام، إلى جهبذهما ليث، بمالٍ من مال الأنزال، جعلاه من مال ضياعهما، فتوارى ليث، فبثثت الرسل في طلبه، فوجده بعض رجالتي، فأوصل إليه التوقيع.

فقال: ما عندي للوزير، ولا لابنه مال.

فقال له: فاحتل، ولو من مالك، فهذا مهم للأمير أبي أحمد.

فقال: وأيش لأبي أحمق عندي؟ فجاءني الرجل بالخبر، فحملني الغيظ عليهما، أن شكوت إلى الموفق هذه الحال، وقلت: قد قال كلاماً لا يجوز إعادة مثله - قبحاً - عليك.

فطالبني بإحضار الرسول، فأحضرته، فأمره أن يحكي الكلام، فخاف الرسول، فأرهبه، فأعاده عليه بعينه، من غير كناية.

فقال: صدق ليث، لو لم أكن أبو أحمق لما تركت عليه، وعلى أصحابه الأموال، حتى ننظر.

فكان ذلك سبب تعجيل النكبة لهما.

فقال لي الموفق: أريد أن تلزم أصحابك، طلب ليث، وتظهر أنه بسبب هذا التوقيع، وتبث الرجالة، حتى إذا حصل، قبضنا على أصحابه.

فأنفذت عدة، ولم أزل أجتهد حتى حصل.

وجاء سليمان وعبيد الله، من غدٍ، للخدمة على الرسم، فشوغلا في الدار، إلى أن حصل ليث، فلما حصل، قبض عليهما، وأنفذ إلى صاعد، من أحضره، فتقلد الأمر، وسلم إليه ليث.

قال راشد: صرت إلى صاعد مهنئاً له بالوزارة، فقال: قم بنا، لأريك العجب.

فقمنا، وخلونا، ودعا ليث، ورفق به، فلم ينفع الرفق، فقال: علي بجيش غلامه، فجيء به، فضربه مقارع يسيرة.

فقال: أنا أدلك على بئر المال.

فقال لليث: هذه البئر مالك، أو مال أصحابك؟ فقال: بل مالي، أنا رجل تاجر.

فأخرجوا من البئر ثمانين ألف دينار، واستخرج بعدها من ليث جملة أخرى كثيرة.

فكانت تلك أحد ما قوى طمع الموفق في آل وهب، واستئصالهم " 37 " .

الأمير الموفق يأمر وزيره الجديد

بتعذيب الوزير المصروف

حدثني أبو الحسين، قال: كنا في مجلس حامد بن العباس، وهو وزير، وكان يتحدث في مجلس العمل كثيراً، فسمعته يحكي، قال: قال لي صاعد ابن مخلد: لما قلدني الموفق وزارته، شرطت عليه، أن لا أدخل في مكاره سليمان ابن وهب، وعبيد الله ابنه، ولا أطالبهما، ولا أنظر إليهما في مال، ولا وديعة.

وقلت للموفق: سليمان اصطنعني، ورفع حالي، وصرفني، وما دخل قط لي في مكروه، ولا دخلت لهما في مثله.

ولم أجب إلى التقليد، حتى صافحني أن لا يلزمني ذلك.

فلما تقلدت، وخلع علي، خاطبني في أمرهم بعد أيام، وذكر ضيق المال إلا من جهتهم، فقلت: الشرط أملك، وأنت قادر أن تنصب لهذا كاتباً، وتدبره بنفسك، وبمن ترى من حاشيتك.

فعاودني دفعات، وأنا ممتنع، حتى مضى شهر من تقلدي.

فلما رآني على هذه الحال، راسل سليمان، وقال له: إن صاعداً غرني من نفسه، وضمن لي القيام بالأمور، وقد بلح، وليس يذهب ولا يجيء، وهو عدوك وعدو ابنك، وهو سعى بكما، فاضمنه مني، واذكر لي ما عليه من الأموال، وما في جيبه، ومعايبه، والحجج، والتطرق عليه وعلى أملاكه.

وكان سليمان محنكاً، مجرباً، فأعاد الجواب على الرسالة، بأني إن كنت موثوقاً بي، فلا تحتاج إلى ضماني، لأني أنصح وأستقصي على كل من يجب عليه حق الأمير، إن أعادني إلى خدمته.

ودافع عن كتابة الرقعة، وعلم أنها حيلة عليه، لامتناعي عن مكروهه، حتى يجعل الرقعة حجة عليه عندي.

فأنفذ الموفق، إلى عبيد الله، مثل هذه الرسالة، واستكتمه ذلك عن أبيه، فكتب عبيد الله، رقعة طويلة، يسعى عليّ فيها، أقبح سعاية، ويضمنني بمال جليل، ويثلبني، وينكل بي.

فلما وصلت إلى الموفق، احتفظ بها، وغدوت عليه، فخاطبني في تسلمهم، ومطالبتهم، فاستعفيت، وأقمت على الامتناع.

فقال: اقرأ هذه الرقعة، فلما قرأتها، ولم يكن عندي - إذ ذاك - علم كيف جرت الصورة، وإنما " 38 " انكشفت لي بعد ذلك المجلس، قامت قيامتي، وخفت على نفسي، من معاجلة الموفق، متى لم أعاجلهم، ولم أشك أن ذلك القول صحيح من عبيد الله، وأن الموفق قد أنعم عليّ بإطلاعي عليه.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account