فحضر عنده صاعد، أول خلافة المعتز، ونحن حضور، فطالبه أبو نوح بأموال وجبت عليه، وجرت بينهما مناظرات، أدت إلى أن تنقطع في الجواب.
فاغتاظ أبو نوح، فأعضه، فرد عليه صاعد، مثل ما قاله له.
فاستعظم الناس ذلك، فاستخفوا به، وقالوا: يا مجنون، يا جاهل، قتلت نفسك، قم، قم.
وخلصوه من أن يفتك به أبو نوح في الحال، وقالوا: هذا مجنون، ولم يدر ما خرج من فيه.
وانصرف صاعدا إلى منزله متحيراً، لا يدري ما يعمل فيما قد نزل به.
فحدث أخاه عبدوناً بما جرى، فقال له: إن لم تطعني، فأنت غداً مقبوض عليك، مطالب من المصادرة بما لا يفي به حالك، ولا حال من عرفك من أهلك، ومقتول بلا شك، تشفياً منك.
قال: وما الرأي؟ قال: كم عندك " 28 " من المال الصامت العتيد ؟ وأصدقني عن جميعه.
قال: خمسون ألف دينار.
قال: تسمح نفسك أن تتعرى منها، وترمي بها كأنها لم تكن، وتنقذ نفسك وتحرس بدنك، وما بقي من حالك، وضياعك، وعقارك، فتصير من أجلاء الناس؟ أو لا تسمح بذلك، فتؤخذ الدنانير منك تحت المقارع، وتذهب الضيعة والنعمة كلها، وتذهب النفس؟ قال: ففكر طويلاً، ثم قال: قد تعريت عنها في عز نفس.
قال: أعطني منها الساعة ثلاثين ألف درهم.
قال: خذ.
فأخذها، وجاء إلى حاجب موسى بن بغا، وقت عتمة، وقال له: هذه عشرة آلاف درهم، وأوصلني إلى فلان الخادم.
قال: وكان هذا الخادم، يتعشقه موسى جداً، ويطيعه في كل أمره، وموسى إذ ذاك هو الخليفة، وكتبته كالوزارة، والأمور في يديه، والخليفة في حجره.
قال: فأخذ الحاجب المال، وأوصله إلى الخادم، فأحضره العشرين الألف درهم الباقية، وقال: هذه هدية لك، وتوصلني الساعة إلى الأمير، وتعاونني في حاجة أريد أن أسأله إياها، ومشورة أريد أن أشير عليه بها.
فأوصله الخادم.
فلما مثل بين يديه، سعى إليه بكتابه، وقال: قد نهبوك، واقتطعوا مالك، وأخرجوا ضياعك، وأخي يجعل كتبتك أجل من الوزارة، ويتغلب لك على الأمور، ويوفر عليك كذا، ويفعل كذا، ويحمل إليك الليلة، من قبل أن ينتصف الليل، خمسين ألف دينار عيناً، هدية منه لك، لا يريد عليها مكافأة، ولا يرتجعها من مالك، وتستكتبه، وتخلع عليه غداً سحراً.
قال: فقال له موسى: أفكر.
فقال: ليس هذا موضع فكر، وألح عليه.
قال: وقال له الخادم: في الدنيا أحد جاءه هذا المال العظيم دفعة واحدة، فرده؟ وكاتب بكاتب، والمال ربح.
قال: فأجابه، وصافحه.
فقال له: فتنفذ الساعة بمن يحضرك أخي، وتشافهه بذلك.
وأنفذ من أحضره، وبات عبدون في الدار، وقلد موسى كتبته لصاعد، في الحال، وأمره بالبكور إليه ليخلع عليه، وتقدم إلى النقباء بأن يباكروا الرجل ليركبوا معه.
قال: وبكر صاعد، وليس عند أحد له خبر، فخلع عليه موسى بن " 29 " بغا لكتبته، وركب الجيش على بكرة أبيهم، وانقلبت سر من رأى، بظهور الخبر.
فبكر بعض المتصرفين، إلى الحسن بن مخلد، وكان صديقاً لأبي نوح، فقال له: قد خلع على صاعد.
فقال: لأي شيء؟ فقال: تقلد كتبة موسى بن بغا.
فاستعظم ذلك، وقال: ثيابي.
فأحضرت، فلبس، وركب إلى أبي نوح، فقال له: عرفت خبر صاعد؟ فقال: نعم، الكلب، وقد بلغك ما عاملني به؟ والله لأفعلن به ولأصنعن.
قال: أنت نائم؟ ليس هذا أردت، قد ولي الرجل كتبة الأمير موسى ابن بغا، وخلع عليه الساعة، وركب الجيش معه بأسرهم، إلى داره.
فقال له أبو نوح: هذا ما لم نظنه، بات خائفاً، وأصبحنا خائفين منه، فما الذي عندك؟ فقال: أنا أصلح بينكما الساعة.
قال: فركب الحسن بن مخلد، إلى صاعد، وهنأه، وأشار عليه أن يصالح أبا نوح، وقال له: وأنت بلا زوجة، وأنا أجعلك صهره، وتعتضد به، فإنك وإن كنت قد نصرت عليه، فهو من يعلم موضعه، ومحله، ويتجمل بمصاهرته، ومودته، وأنت حبيب على الرجل.
قال: ولم يدعه، حتى أجاب إلى الصلح والصهر.
فقال له: فتركب معي إليه، فإنه هو أبو الابنة، والزوج يقصد المرأة، ولولا ذاك لجاءك.
قال: فحمله من يومه إلى أبي نوح، واصطلحا، ووقع العقد في الحال بينهما.
وزوج أبو نوح، في مجلسه ذلك، ابنته الأخرى، بالعباس بن الحسن بن مخلد، فولدت له أبا عيسى المعروف بابن بنت أبي نوح، صاحب بيت مال الإعطاء، ثم تقلد ديوان زمام الجيش لعمه سليمان بن الحسن، وكان أصغر سناً من أبيه.