وأعمل هو الحيلة، فجلس في القدر، وغطيت عليه، وأخرجت، ولم يعرفوا خبره، حتى طلبوه لما أفاقوا، فلم يجدوه.
قال يحيى بن عبد الله: ولم أكن أنا عرفت الخبر، فبكرت إلى سليمان، على رسمي، فوجدت عبيد الله جالساً، متشاغلاً بطلبه، وقد ضج، وهو يقول: أي شيء أقبح من أن يتصل بالخليفة، أنا عجزنا عن حفظ العامل المصروف، فيقال فينا: كيف يحفظ هؤلاء الأموال، والأعمال، مع عجزهم عن حفظ محبوس؟ وجعل يضرب الناس في التقرير عليه.
وأمر بالقبض عليّ، لما رآني، فقلت له: أعزك الله، لو كان عندي علم بالخبر ما جئتك، قال: فصدق قولي، وكان حضوري سبب " 24 " خلاصي.
قال: ووقع في يده وكيل نصراني لابن البختري، يتوكل في مطبخه، وكان نبطياً، وقيل له: إنه لا يجوز أن يخفى عليه خبره، فجعل يضربه.
وكان في المجلس سليمان بن وهب، وأصحاب البرد والأخبار، والناس بأجمعهم.
وكنت أحسن النبطية، ولم يكن عبيد الله يحسنها.
فلما حمي الضرب على الوكيل، كاد أن يقر على موضع ابن البختري، ففهم ذلك سليمان، ولم يحب أن يأمره بالإنكار، فيكتب بالخبر، وأراد أن يسلم المنكوب، سلوكاً لمذهب الناس قديماً، في طلب السلامة، بالإبقاء على أعدائهم.
قال: فقال للمضروب كلاماً بالنبطية، تفسيره: لا تقر، فإن الإقرار مثل القير لا ينقلع.
قال: فتصبر الرجل على الضرب، ثم قال سليمان لعبيد الله: إلى كم تضرب هذا البائس؟ لو كان يعرف شيئاً لقاله، اقطع عنه الضرب، لا يتلف، فتدخل في دمه.
قال: فرفع الضرب عنه، وأطلق من يومه، وأفلت المستتر.
من مكارم أخلاق المأمون
حدثني أبو الحسين، قال: حدثني أبو بكر محمد بن عبد الملك التاريخي، قال: حدثنا المبرد، قال: حدثني الحسن بن سهل، لما أسن، وجلس في بيته، قال: دخلت يوماً إلى المأمون، وهو جالس، وبحضرته جماعة من خواصه، منهم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، وكان في يده كتاب يقرأه، فلم ينظر إلي، فوقفت قائماً.
فقال له إسحاق: يا أمير المؤمنين، أبو محمد، الحسن بن سهل.
فقال لي: اقعد، فقعدت.
فقال: أحضر دواتك، فأحضرت.
فقال: وقع بتقليد إسحاق بن إبراهيم، جميع أعمال المعاون بالسواد، جزاء له على ما نبه عليه من تكرمتك يا أبا محمد.
فشكرته، ودعوت له، ووقعت بذلك.
الشاعر الكوفي أبو الحسن البصير
أنشدني أبو الحسن محمد بن غسان بن عبد الجبار بن أحمد الداري، الصيدلاني، البصري، قال: أنشدني أبو الحسن عبد الله بن سليمان الكوفي، الضرير، المعروف بالبصير، لنفسه:
واحربا ما الذي لقيت أنا ... أحمل في كل بلدة شجنا
أدخلها وادعاً فتجلب لي ... رقة قلبي من أهلها سكنا " 25 "
الخارجي وصلاة الجمعة
حدثني أبو الحسن محمد بن غسان بن عبد الجبار، قال: رأيت بعمان شيخاً من الخوارج، قد دخل في يوم الجمعة، من ناحية بلد الشراة، إلى السوق بعمان، وكانت طريق الناس إلى الجامع، والناس يتعادون إلى حضور الجمعة، خوفاً من فوتها، والخارجي ماشٍ الهوينا في حاجته، لا يراعي أمر الجمعة، فإذا بشيخ قد جاء من ناحية الجامع، فالتقيا.
فقال الشيخ للخارجي، وهو لا يعرفه، وقدر أنه يريد الجامع: إلى أين تمضي يا شيخ؟ وقد صلى الناس وفاتتك الصلاة؟ فقال الخارجي: يا أبله، إنما فاتت من أدركها.
يريد أن التجميع معهم، لا يسقط الفرض الذي هو الظهر، وهو إذا جمع معهم ترك الظهر، فتفوته الصلاة الواجبة، وهي الظهر، ويصلي ما لا يجزي عنه في مذهبه من تفكيرهم.
قال: ولم يفهم الشيخ ما سمعه.
وقلت أنا للخارجي: أظنك - أعزك الله - شارياً؟ قال: فقال: نعم، والحمد لله.
قال: وهم يستحبون أن يقال لهم شراة، ويأبون أن يقال لهم: خوارج، ويذهبون إلى قوله تعالى " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله " .
أحد القائلين بالتناسخ
يدعي أن الهرة أمه
حدثني أبو الحسن علي بن نظيف البغدادي، المعروف بابن سراج، المتكلم، المعروف بالبهشمي، قال: