فقال له: ما اتفق هذا.
و لم يزده على ذلك شيئاً، هذا و العسكر واقف بأكمله، فانهل العطار و أيقن بالموت.
فلما انصرف عضد الدولة، لتفت العطار إلى الحاج، و قال له: يا أخي، متى أودعتني هذا العقد؟ و في أي شيء و هو ملفوف؟ فذكرني لعليّ أتذكر.
فقال: من صفته كذا و كذا.
فقام، و فتش، ثم فتح جراباً، و أخرج منه العقد، و قال: الله يعلم أني كنت ناسياً، و لو تذكرني به، ما تذكرت.
فأخذ الحاج العقد، و مضى إلى عضد الدولة، فأعلمه، فعلقه في عنق العطار، و صلبه على باب دكانه، و نودي عليه: هذا جزاء من استودع فجحد.
ثم أخذ الحاج العقد، و مضى إلى بلاده.
ابني ابني
و أنبئت عن المؤيد الطوسي، و أبي أحمد بن سكينة، و غيرهما، عن محمد بن عبد الباقي ، قال: كتب إليّ أبو غالب، محمد بن أحمد بن شبران الواسطي، قال: حدثني أبو الحسن علي بن محمد بن نصر الكاتب، قال: كنت عند قاضي القضاة أبي عبد الله الحسين بن ماكولا ، يوماً فحدثه أبو بكر محمد بن عمر القاضي المعروف بابن الأخضر، و هو جالس إلى جنبي، قال: حدثني الشيخ أبو الحسن علي بن نصر الفقيه المالكي، و كان ناهيك به عدالة و ثقة و ضرب بيده على فخذي قال: زوجت أيام عضد الدولة بعض غلمانه الأتراك، من صبية في جوارنا، و كان لها، و لوالدتها، أنس بدارنا، و كانت من الموصوفات بالستر و العفاف، و مضى على ذلك سنتان.
و حضرني الغلام التركي ،و قال: يا سيدي، هذه المرأة التي زوجتني بها، قد ولدت لي ابناً، و ما أشكو شيئاً من أمرها، و لا أنكره، غير أنها ما أرتين ولدي منذ ولدته، و كلما طالبتها به، دافعتني عنه، و أريد أن أراه.
فبعثت عليها، و على والدتها، و خاطبتهما، فأشارت إليّ، و قالت: يا سيدي، صدق فيما حكاه، و إنما دافعناه عن هذا لأننا قد بلينا بلية قبيحة، و ذلك أن زوجته، ولدت منه، و لداً أبلق ، من رأسه إلى سرته أبيض، و بقيته إلى قدمه أسود، في لون الحبش.
قال: و سمع التركي قولها: أبلق، فصاح: داست كفت ، ثم قال بالعربية: ابني، ابني، و هكذا كان جدي، بالتركي ، و قد رضيت.
ففرحت المرأة بقوله، و انصرفت، فأظهرت له الولد .
النار ما اشتملت عليه ضلوعه
و الماء ما سحت به أجفانه أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي، قال: أنبأنا أبو عبد الله محمد ابن أبي نصر الحميدي ، قال: حدثني أبو محمد علي بن أبي عمر اليزيدي، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الواحد الزبيري، قال: حدثني أبو علي الحسن بن الأشكري المصري، قال: كنت من جلاس الأمير تميم بن المعز ، و ممن غلب عليه جداً، فبعث بي إلى بغداد، فاشتريت له جارية رائعة، من أفضل ما وجد في الحسن و الغناء، فلما وصلت إليه، أقام دعوة لجلسائه، و أنا منهم ثم وضعت الستارة، و أمرها بالغناء، فغنت:
و بدا له من بعد ما اندمل الهوى ... برق تألق موهناً لمعانه
يبدو كحاشية الرداء و دونه ... صعب الذرى متمنع أركانه
فدنا لينظر كيف لاح فلم يط ... نظراً إليه و صده سبحانه
فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه ... و الماء ما سحت به أجفانه
قال: أحسنت، و طرب تميم، و كل من حضر، ثم غنت:
سيسليك عما فات دولة مفضل ... أوائله محمودة و أواخره
ثنى الله عطفيه و ألف شخصه ... على البر مذ شدت عليه مآزره
فطرب الأمير تميم، و من حضر، طرباً شديداً. ثم غنت:
أستودع الله في بغداد لي قمراً ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
فاشتد طرب تميم، و أفرط جداً، ثم قال لها: تمني ما شئت، فلك مناك.
فقالت: أتمنى عافية الأمير و بقاءه.
فقال: و الله، لا بد لك أن تتمني.
فقالت: على الوفاء، أيها الأمير، بما أتمنى؟ فقال: نعم.
فقالت: أتمنى أن أغني هذه النوبة ببغداد.
فانتقع لون الأمير، و تغير لونه، و تكدر المجلس، و قام، و قمنا كلنا.
قال ابن الأشكري: فلحقني بعض خدمه، و قال لي: ارجع، فالأمير يدعوك.
فرجعت، فوجدته جالساً ينتظرني، فسلمت، و جلست بين يديه.
فقال: ويحك، أرأيت ما امتحنا به؟ فقلت: نعم، أيها الأمير.