ثم التفت إلى الشهود، فقال: اشهدوا أني قد بلغت رسالة أمير المؤمنين و القاسم حي معافى.
ثم خرج فأتى باب المعتصم مسرعاً، و استأذن عليه، فأذن له، فلما دخل عليه، قال: يا أمير المؤمنين، قد كذبت عليك واحدة، أرجو بها الجنة، و لك بها الفخر.
قال: و ما هي؟ قال: كان من الأمر كيت و كيت.
قال: فضحك المعتصم، و قال: أحسنت، أحسن الله إليك.
ثم لم يلبث أن جاء الأفشين مستأذناً، فأذن له، فلما استقر مجلسه قال: يا أمير المؤمنين، جاءتني رسالة منك مع قاضي القضاة في معنى أبي دلف، فما تأمر في شأنه؟ قال: نعم، أرسلت إليك فيه، فاحذر أن تتعرض له إلا بخير. فأفلت بذلك من يده .
سنان بن ثابت الحراني
يعالج أمير الأمراء بجكم بعث بجكم التركي، أمير الأمراء ، إلى الطبيب سنان بن ثابت ، بعد موت الراضي ، و سأله أن ينحدر إليه، إلى واسط ، فانحدر إليه، فأكرمه و قال له: إني أريد أن أعتمد عليك في تدبير بدني، و في أمر آخر، هو أهم إلي من أمر بدني، و هو أمر أخلاقي، لثقتي بعقلك، و دينك، فقد غمتني غلبة الغضب، و الغيظ، و إفراطهما فيّ، حتى أخرج إلى ما أندم عليه، عند سكونهما، من ضرب، و قتل، و أنا أسألك أن تتفقد ما أعمله، فإذا وقفت لي على عيب، لم تحتشم أن تصدقني عنه، و تنبهي عليه، ثم ترشدني إلى علاجه.
فقال له: السمع و الطاعة، أنا أفعل ذلك، و لكن يسمع الأمير مني بالعاجل، جملة علاج ما أنكره من نفسه، إلى أ، آتي بالتفصيل في أوقاته: اعلم أيها الأمير، أنك قد أصبحت، و لي سفوق يدك يد لأحد من المخلوقين، و أنك مالك لكل ما تريده، قادر على أن تفعله، ي وقت أردته، لا يتهيأ لأحد من المخلوقين منعك منه، و لا أن يحول بينك و بين ما تهواه، أي وقت أردت، و اعلم أ، الغيظ و الغضب يحدثان في الإنسان سكراً، أشد من سكر النبيذ بكثير، فكما أن الإنسان يعمل في وقت السكر من النبيذ، ما لا يليق به، و لا يذكره إذا صحا، و يندم عليه إذا حدث به، و يستحي منه، كذلك يحدث له في وقت السكر من الغيظ، بل أشد، فإذا ابتدأ بك الغضب، فضع في نفسك أن تؤخر العقوبة إلى غد، واثقاً بأن ما تريد أن تعمله في الوقت، لا يفوتك عمله، فإنك إذا بت ليلتك، سكنت فورة غضبك، و قد قيل: أصح ما يكون الإنسان رأياً، إذا استدبر ليله، و استقبل نهاره، فإذا صحوت من سكرك، فتأمل الأمر الذي أغضبك، و قدم أمر الله عز وجل، أولاً، و الخوف منه، و ترك التعرض لسخطه، و اشف غيظك، بما لا يؤثمك، فقد قيل: ما سفى غيظه من أثم، و اذكر قدرة الله عليك، فإنك تحتاج إلى رحمته، و إلى أخذه بيدك، في أوقات شدائدك، فكما تحب أن يغفر لك، كذلك غيرك، يؤمل عفوك، و فكر بأية بات المذنب قلقاً لخوفه منك، و ما يتوقعه من عقوبتك و اعرف مقدار ما يصل إليه من السرور، بزوال الرعب عنه، و مقدار الثواب الذي يحصل لكم، بذلك، و اذكر قوله تعالى: ألا تحبون أن يغفر الله لكم، و إنما يشتد ذلك عليك مرتين، أو ثلاثاً، ثم تصير عادة لك، و خلقاً، فيسهل.
فابتدأ بجكم، فعمل بما قال له .
مسافر لا يفكر في قطع الطريق
قال عبد الواحد بن نصر المخزومي : أخبرني من أثق به أنه خرج في طريق الشام، مسافراً يمشي و عليه مرقعة، و هو في جماعة نحو الثلاثين رجلاً، كلهم على هذه الصفة، قال: فصحبنا في بعض الطريق رجل شيخ، حسن الهيأة، معه حمار فاره يركبه، و معه بغلان عليهما رحل، و قماش، و متاع فاخر.
فقلنا له: يا هذا، إنا لا نفكر في خروج الأعراب علينا، فإنه لا شيء معنا يؤخذ، و أنت لا تصلح لك صحبتنا، مع ما معك.
فقال: يكفينا الله.
ثم سار، و لم يقبل منا، و كان إذا نزل يأكل، استدعى أكثرنا، فأطعمه و سقاه، و إذا أعيى الواحد منا، أركبه على أحد بغليه، و كانت الجماعة تخدمه و تكرمه، و تتدبر برأيه.
إلى أن بلغنا موضعاً، فخرج علينا نحو ثلاثين فارساً من الأعراب، فتفرقنا عليهم، فقال الشيخ: لا تفعلوا، فتركناهم، و نزل، فجلس، و بين يديه سفرته، ففرشها، وجلس يأكل.
و أظللتنا الخيل، فلما رأوا الطعام، دعاهم إليه، فجلسوا يأكلون، ثم حل حله، و أخرج منه حلوى كثيرة، و تركها بين يدي الأعراب، فلما أكلوا، و شبعوا، جمدت أيديهم، و خدرت أرجلهم، و لم يتحركوا.