FluentPlex

Table-Talk

إن بالحيرة قسا قد مجن

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

فقال: ما قلت هذا لأربح عليك الكثير، أيما أحب إليك، تأخذ كما يأخذ الناس، وهو ما عرفتك، أو تجلس مكانك إلى الظهر حتى أفرغ من شغلي، ثم ركب معي إلى داري، فتقيم عندي اليوم والليلة، ونشرب، فقد والله سمعت بك، وكنت أتمنى أن أسمعك، ووقعت الآن لي رخيصاً، فإذا فعلت هذا، دفعت إليك الدنانير بما تساوي، من غير خسران.

فقلت: أقيم عندك.

فجعل الرقعة في كمه، وأقبل على شغله.

فلما دنت الظهر، جاء غلامه ببغل فاره، فركب، وركبت معه، وصرنا إلى دار سرية حسنة، بفاخر الفرش والآلات، ليس فيها إلا جوار روم للخدمة، من غير فحل.

فتركني في مجلسه، ودخل، ثم خرج إلي بثياب أولاد الخلفاء، من حمام داره، وتبخر، وبخرني بيده، بند عتيق جيد، وأكلنا أسرى طعام، وأنظفه، وقمنا إلى مجلس للشرب سري، فيه فواكه وآلات بمال.

وشربنا ليلتنا، فكانت ليلتي عنده أطيب من أختها عند الحسن بن مخلد.

فلما أصبحنا أخرج كيسين، في أحدهما دنانير، وفي الآخر دراهم، فوزن لي خمسمائة دينار من أحدهما، ثم فتح الآخر فإذا هو دراهم طرية، فوزن لي منها خمسمائة درهم.

وقال: يا سيدي تلك ما أمرت به، وهذه الدراهم هدية مني. فأخذتها، وانصرفت.

وصار الصيرفي صديقي، وداره لي.

إن بالحيرة قساً قد مجن

حدثني أبو الحسن بن عياش، قال: كان جحظة لما أسن، يفسو في مجالسه، فيلقى من يعاشره، ذلك جهداً.

وكنت أحب غناءه، والكتابة عنه، لما عنده من الآداب، وكان يستطيب عشرتي، وكنت إذا جلست، أخذت عليه الريح، وجلست فوقها.

فجئته يوماً في مجلس الأدب، والناس عنده، وهو يملي، فلما خفوا، قال لي، ولآخر كان معي، أسماه لي، وحدثني ذلك الرجل بمثل هذا الحديث: اجلسا عندي، حتى أجلسكما على لبود، وأطعمكما طباهجة بكبود، وأسقيكما معتقة اليهود، وأبخركما بعود، وأغنيكما غناء المسدود، أطيب من الندود.

فقلنا: هذا موضع سجدة.

وجلسنا، وصديقي لا يعرف خلته في الفساء، وأنا قد أخذت الريح، فوفى لنا بجميع ما شرطه. وقال لنا، وقد غنى، وشربنا: نحن بالغداوة في صورة العلماء، وبالعشي في صورة المخنكرين. فلما أخذ النبيذ منه، أقبل يفسو، وصديقي يغمزني، ويتعجب، فأغمزه، وأقول: إن ذلك عادته، وخلته، وإن سبيله أن يحتمل.

إلى أن غنى جحظة، صوتاً مليحاً، الشعر والصنعة له فيه، وكان يجيده جداً، وهو:

إن بالحيرة قساً قد مجن ... فتن الرهبان فيها وافتتن

ترك الإنجيل حباً للصبا ... ورأى الدنيا مجوناً فركن

وطرب صديقي ذاك، عليه طرباً شديداً، استحساناً له، وأراد أن يقول أحسنت والله يا أبا الحسن، فقال: افس علي كيف شئت.

فخجل جحظة.

بين جحظة وأبي الحسين بن عياش

قال: وأخبرني أنه كان معه في حديدي لابن الحواري، وقد حملهم إلي بلا شكر ليتفرجوا، والحديدي يمده الملاحون بالقلوس، وجحظة بين يدي الرجل، قد صار في أعلى الريح لأنها كانت شمالاً، على سطح الحديدي.

فأقبل جحظة يفسو، فأنكر الرجل ذلك، وقال: ما هذا الفساء؟ من أين هذا؟ فقال جحظة: هؤلاء المدادون سفل، فإذا مدوا فسوا، وهم أعلى منا في الريح، فهي تحمل فساهم إلينا.

قال: فاشتبه ذلك على الرجل.

فقلت له: يا أبا الحسن، لو أن فساء هؤلاء يريد الطرادة ويجيء على حملها مستوياً إلى نفس الطرادة ما وصل إلينا بهذه السرعة، والريح من جهتك لا من جهة الملاحين، وأنا أنبه عليك. قال: فأقبل يصانعني، ويفتدي من يدي، أن لا أغمز به.

فقلت : على شريطة أن تقطع.

قال: نعم.

أبو عيشونة الشاطر

حدثني أبو القاسم الصروي الكاتب، قال: كان بمدينة السلام، شاطر، يعرف بأبي عيشونة، فاجتاز به بعض العلماء من أهل الأدب، في هيج قد وقع، وقد خرج ليأخذ المجتازين فقبض عليه، وقال: اطرح ثيابك.

فقال: أنا فلان.

فاستحيا منه، فقال: خذ علي ما أنشدك.

قال: هات.

فقال:

خمسون ألف فتى ما منهم أحد ... إلا كألف فتى ضرغامة بطل

شدوا ثيابهم يوماً على أمل ... فأفرغوها وأدلوها على الأمل

فقال الرجل: أحسنت، فبالله، زدني من شعرك، فقال:

ولقد هيج البلا ... حين عض السفرجلا

ولقد قام حبكم ... في فؤادي بأعلى العلا

فقال: خلطت.

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا