فجعل يأكل، وأنا أحادثه، إذ دخل الحاجب فأخبره بحضور قوم لا بد من وصولهم؟، يحتشمهم. فأمر برفع الدجاجة، فرفعت، ومسح يده، ودخل القوم، فخاطبهم بما أرادوا، وانصرفوا.
فقال: ردوا الدجاجة، فأحضر، فتأمل الدجاجة ساعة، ثم حرد.
وقال: أين تلك الدجاجة؟ فقالوا: هي هذه.
فقال: لا، وحق أبي، علي بالطباخ، فحضر.
فقال: هذه هي تلك الدجاجة؟ فسكت.
فقال: اصدقني ويلك.
قال: لا.
قال: فما عملت بتلك؟ قال: لما شيلت، لم نعلم أنها ترد إليك، فأخذها بعض الغلمان الصغار وأكلها، فلما طلبتها، أخذنا هذه فكسرنا منها، وشعثنا، مثلما كنت كسرت وشعثت، طمعاً في أنك لا تعلم بذلك، وقدمناها.
فقال له: يا حمار، تلك كنت قد كسرت منها الفخذ الأيمن، وأكلت جانب الصدر الأيسر، وهذه مأكولة جانب الصدر الأيمن، مكسورة الفخذ الأيسر، لا تعاود بعدها لمثل هذا.
قال: السمع والطاعة.
وانصرف الطباخ.
فجعلت أعجب من تفقده وهو ملك لمثل هذا.
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟الحسن بن مخلد وبخله على الطعام
حدثي أبو الحسين بن عياش، قال: حدثني جحظة، قال: ربحت بأكلة افتديتها خمسمائة دينار، وخمسمائة درهم، وخمسة أثواب فاخرة، وعتيدة طيب سرية.
قلت: كيف كان ذلك؟ قال: كان الحسن بخيلاً على الطعام، سمحاً بالمال، وكان يأخذ ندماءه، بغتة فيسقيهم النبيذ، ويواكلهم، فمن أكل، قتله قتلاً، ومن شرب عنده على الخسف، حظي عنده.
قال: فكنت عنده يوماً، فقال لي: يا أبا الحسن، قد عملت غداً على الصبوح الجاشري، فبت عندي.
فقلت: لا يمكنني ، ولكن أباكرك قبل الوقت، فعلى أي شيء عملت أن تصطبح؟ فقال: أعد لنا كذا وكذا، ووصف ما تقدم به إلى الطباخ بعمله، فعقدنا الرأي على أن أباكره.
وقمت، وجئت إلى بيتي، فدعوت طباخي، وتقدمت إليه بأن يصلح لي مثل ذلك بعينه، ويفرغ منه وقت العتمة، ففعل، ونمت.
وقمت وقد مضى نصف الليل، فأكلت ما أصلح، وغسلت يدي وأسرج لي وأنا عامل على المضي إليه، إذ طرقتني رسله، فجئته.
فقال: بحياتي، أكلت شيئاً؟ قلت: أعيذك بالله، انصرفت من عندك قبيل المغرب، وهذا نصف الليل، فأي وقت أصلح لي شيء؟ أو أي وقت أكلت شيئاً؟ سل غلمانك، على أي حال وجدوني؟ فقالوا: والله وجدناه يا سيدنا وقد لبس ثيابه،وهو ذا ينتظر أن يفرغ له من إسراج بغلته، ليركبها.
فسر بذلك سروراً شديداً، وقدم الطعام، فما كان في فضل أشمه، فأمسكت عن تشعيثه ضرورة، وهو يستدعي أكلي، ولو أكلت أحل دمي.
قال: وكذا كانت عادته، فأقول له: هو ذا آكل يا سيدي، وفي الدنيا أحد يأكل أكثر من هذا؟ وانقضى الأكل، وجلسنا على الشرب، فجعلت أشرب بأرطال، وهو يفرح، وعنده أني أشرب على الريق، أو على ذلك الأكل الذي خلست معه.
ثم أمرني بالغناء، فغنيت، فاستطاب ذلك، وطرب وشرب أرطالاً.
فلما شربت النبيذ، قد عمل فيه، قلت: يا سيدي، أنت تطرب على غنائي، فأنا على أي شيء أطرب؟ قال: يا غلام ، هات الدواة، فأحضرت، فكتب لي رقعة، ورمى بها إلي، وإذا هي إلى صيرفي يعامله بخمسمائة دينار، فأخذتها، فشكرته. ثم غنيت، فطرب، وزاد سكره، فطلبت منه ثياباً، فخلع علي خمسة أثواب.
ثم أمر أن يبخر من كان بين يديه، فأحضرت عتيدة حسنة سرية، فيها طيب كثير، فأخذ الغلمان يبخرون الناس منها، فلما انتهوا، قلت: يا سيدي وأنا أرضى أن أتبخر حسب؟ فقال: ما تريد؟ قلت أريد نصيبي من العتيدة.
فقال: قد وهبتها لك.
وشرب بعد ذلك رطلاً آخر، واتكأ على مسورته، وكذا كانت عادته إذا سكر.
فقام الناس من مجلسه، وقمت وقد طلع الفجر وأضاء، وهو وقت تبكير الناس في حوائجهم. فخرجت كأني لص قد خرج من بيت قوم، على قفا غلامي الثياب والعتيدة كارة.
فصرت إلى منزلي، ونمت نومة، ثم ركبت إلى درب عون، أريد الصيرفي، حتى دكانه، وأوصلت الرقعة إليه.
فقال: يا سيدي، أنت الرجل المسمى في التوقيع؟ قلت: نعم.
قال: أنت تعلم، أن أمثالنا يعاملون للفائدة.
قلت: نعم.
قال: ورسمنا أن نعطي في مثل هذا ما يكسر في كل دينار، درهم.
قلت له: لست أضايقك في هذا القدر.