وقف أهل المدينة وأهل مكة بباب أبى جعفر ؛ فأذن الربيع لأهل مكة قبل أهل المدينة، فقال جعفر: عشّ والله طار خياره، وبقى شرارة.
وقيل له: لم حرّم الله الربا ؟ قال: لئلا يتمانع الناس المعروف وقيل له: إن أبا جعفر المنصور لا يلبس منذ صارت إليه الخلافة إلا الخشن، ولا يأكل إلا الجشب، فقال: لم يا ويحه ؟ مع ما قد مكن الله له من السلطان وجبى إليه من الأموال، فقيل له: إنما يفعل ذلك بخلاً وجمعاً، فقال: الحمد لله الذي حرمه من دنياه ؛ ما له ترك دينه ؟.
لما قال الحكيم بن عياش الكلبى:
صلبنا لكم زيداً على جذع نخلةٍ ... ولم أر مهدياًّ على الجذع يصلب
وقستم بعثمان علياًّ سفاهةً ... وعثمان خيرٌ من علىٍّ وأطيب
بلغ قوله أبا عبد الله - رضى الله عنه - فرفع يديه إلى السماء وهما ترعشان، فقال: اللهم إن كان عندك كاذباً فسلط عليه كلبك، فيعثه بنو أمية إلى الكوفة فافترسه الأسد، واتصل خبره بالصادق - رضي الله عنه - فخر لله ساجداً ثم قال: الحمد لله الذي أنجزنا ما وعدنا.
وقال لأبي ولاد الكاهلي: أرأيت عمي زيداً؟ قال: نعم، رأيته مصلوباً ورأيت الناس فيه بين شامتٍ حنق، وبين محزونٍ محترقٍ؛ فقال: أما الباكي فمعه في الجنة، وأما الشامت فشريكٌ في دمه.
وقال: إذا أقبلت الدنيا على المرء أعطته محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه.
ومر به رجل وهو يتغذى فلم يسلم، فدعاه إلى الطعام، فقيل له: السنة أن يسلم ثم يدعى، وقد ترك السلام على عمدٍ، فقال: هذا فقهٌ عراقيٌ فيه بخل.
وقال: القرآن ظاهره أنيقٌ وباطنه عميقٌ.
وقال: من أنصف من نفسه رضي حكماً لغيره.
وقال: أكرموا الخبز؛ فإن الله تعالى أنزل له كرامةً. قيل: وما كرامته.
قال: ألا يقطع ولا يوطأ، وإذا حضر لم ينتظر به غيره.
وقال: حفظ الرجل أخاه بعد وفاته في تركته كرم.
وقال: ما من شيءٍ أسر إلى من يدٍ أتبعتها الأخرى؛ لأن منع الأواخر يقطع لسان شكر الأوائل.
وقال: إني لأملق فأتاجر الله بالصدقة.
وقال: لا يزال العز قلقاً حتى يأتي داراً قد استشعر أهلها اليأس مما في أيدي الناس فيوطنها.
وقال: إذا دخلت إلى منزل أخيك فاقبل الكرامة كلها ما خلا الجلوس في الصدر.
وقال: كفارة عمل السلطان الإحسان إلى الإخوان.
واشتكى مرةً فقال: اللهم اجعله أدباً لا غضباً.
وقال: البنات حسنات والبنون نعمٌ. والحسنات يثابٌ عليها، والنعم مسئولٌ عنها، وقال: إياك وسقطة الاسترسال فإنها لا تستقال.
وسئل: ما طعم الماء؟ فقال: طعم الحياة.
وقال: إني لأسارع في حاجة عدوي خوفاً أن أرده فيستغني عني.
وكان يقول: اللهم إنك بما أنت أهلٌ له من العفو أولى مني بما أنا أهلٌ له من العقوبة.
وقال: من أكرمك فأكرمه، ومن استخف بك فأكرم نفسك عنه. وأتاه أعرابي - وقيل بل أتى أباه الباقر رضي الله عنهما - فقال: أرأيت الله حين عبدته؟ فقال: ما كنت لأعبد شيئاً لم أره. قال: كيف رأيته؟ قال: لم تره الأبصار مشاهدة العيان، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، معروف بالآيات منعوتٌ بالعلامات. هو الله الذي لا إله إلا هو. فقال الأعرابي: الله أعلم حيث يجعل رسالاته.
وقال: لا يكون المعروف معروفاً إلا باستصغاره وتعجيله وكتمانه.
وقال: يهلك الله ستا بست؛ الأمراء بالجور، والعرب بالعصبية، والدهاقين بالكبر، والتجار بالخيانة، وأهل الرستاق بالجهلن والفهاء بالحسد.
وقال: المسترسل موقى والمحترس ملقى.
وقال: منع الموجود سوء ظن بالمعبود.
وقال: صلة الأرحام منسأة في الأعمار، وحسن الجوار عمارةٌ للديار، وصدقة السر مثراةٌ للمال.
وقال له أبو جعفر: ألا تعذرني من عبد الله بن حسن وولده، سبثون الدعاة، ويثيرون الفتنة. قال: قد عرفت الأمر بيني وبينهم، وإن أقنعك مني آية من كتاب الله تلوتها عليك، قال: هات. قال: " لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون " . قال: كفاني بين عينيه.
وقال لرجل: أحدث سفراً يحدث الله لك منه رزقا، والزم ما عودت منه الخير.
وقال: دعا الله الناس في الدنيا بآبائهم ليتعارفوا وفي الآخرة باعمالهم ليجازوا، فقال: " يا أيها الذين ءامنوا " " ياأيها الذين كفروا " .