وخطب فقال: أما بعد ؛ يا أهل الكوفة فإنّ أهل الشّام لو قد طلعوا عليكم أغلق كلّ امرئ منكم بابه، وانجحر في بيته انجحار الضّبّ في جحره والضّبع في وجارها الذّليل، واللّه ما نصرتم، ومن رمى بكم رمى بأضعف سهم. أفّ لكم ! لقد لقيت منكم برحاً، يوماً أناديكم ويوماً أناجيكم، فلا أحرار عند النداء، ولا أنجاد عند اللقاء، أنا لله ممّا منيت به منكم، صمّ لا تسمعون، بكم لا تعقلون، كمه لا تبصرون، والحمد لله ربّ العالمين.
وكتب إلى سهل بن حنيف وهو عامله على المدينة: بلغنى أن رجالاً يخرجون إلى معاوية ؛ فلا تأسف على ما فاتك منهم ؛ فكفى لهم غيّاً فرارهم من الحق والهدى، وإيضاعهم في الجهالة والعمى ؛ إنّما هم أهل دنيا، مكبّون عليها، قد علموا أنّ في الحق أسوةً فهربوا منه إلى الأثرة ؛ فبعداً لهم وسحقاً، أما لو قد بعثرت القبور، واجتمعت الخصوم، وقضى بين العباد لتبيّن لهم ما يكسبون.
وكتب إلى مصقلة بن هبيرة: بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أتيت شيناً ؛ إذ بلغني أنّك تقسم فئ المسلمين فيمن اعتفاك من أعراب بكر بن وائل، فو الذّي فلق الحبّة، وبرأ النّسمة، لئن كان ذالك حقّاً لتجدنّ بك علىّ هواناً. فلا تستهن بحق ربك، ولا تصلح دنياك بمحق دينك فتكون من: " الأخسرين أعمالاً " الآية.
وكتب إلى زياد - وهو خليفة ابن عباس على البصرة - وكان أخرج إليه سعدا مولاه يستحثه على حمل مالٍ فعاد وشكاه وعابه: أما بعد، فإن سعداً ذكر أنك شتمته ظلماً له، وتهددته وجبهته، تجبراً وتكبرا. فما دعاك إلى التكبر؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الكبر رداء الله فمن نازع الله رداءه قصمه " .
وأخبرني أنك تكثر من الطعام والألوان، وتدهن في كل يوم؛ فما عليك لو صمت لله أياما؟ وتصدقت ببعض ما عندك محتسبا، وأكلت طعامك مراراً قتاراً؛ فإن ذلك دثار الصالحين، أتطمع وأنت تتقلب في النعيم تستأثر به على الجار المسكين، والضعيف الفقير، والأرملة واليتيم أن يجب لك أجر المتصدقين؟.
وأخبرني أنك تتكلم بكلام الأبرار وتعمل عمل الخطائين؛ فإن كنت تفعل ذلك فنفسك ظلمت، وعملك أحبطت؛ فتب إلى ربك يصلح عملك، واقصد في أمرك، وقدم الفضل ليوم حاجتك إليه إن كنت من المؤمنين، وادهن غباً فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ادهنوا غباً ولا تدهنوا رفها " .
فكتب إليه زياد: أما بعد يا أمير المؤمنين فإن سعداً قدم فعجل فانتهرته وزجرته. وكان أهلاً لأكثر من ذلك. فأما ما ذكر من الإسراف، واتخاذ ألوان الطعام، والتنعم؛ فإن كان صادقا فأثابه الله ثواب الصادقين، وإن كان كاذباً فوقاه الله عقوبة الكاذبين. وأما قوله: إني أصف العدل وأخالفه إلى غيره، فإني إذاً لمن الأخسرين أعمالاً، فخذه يا أمير المؤمنين بمقالٍ قلته في مقامٍ قمته. فإن أتاك بشاهدي عدلٍ، وإلا تبين لك كذبه وظلمه.
وقال عليه السلام: " قبلة الولد رحمةٌ، وقبلة المرأة شهوة، وقبلة الوالدين عبادة، وقبلة أخيك دينٌ، وقبلة الإمام العادل طاعةٌ " .
وقال: بئس الجار الغني، يبعث عليك ما لا يعينك عليه.
وقال: نعم البيت بيت العروس تذكر به الجنة، وتحمد الله على النعمة.
وقال: الكريم لا يقبل على معروفه ثمنا.
وقال: لا ينبغي للعاقل أن يظهر سروراً برجاء، لأن الرجاء غرور.
وقال: المعروف زكاة النعم.
وقال: إزالة الرواسي أيسر من تأليف القلوب.
وكتب إلى ابن عباس: أتاني كتابك تذكر ما رأيت من أهل البصرة بعد خروجي عنهم، وإنما ينقمون لرغبةٍ يرجونها، أو عقوبةٍ يخافونها؛ فأرغب راغبهم، واحلل عقد الخوف عن خائفهم بالعدل عليه، والإنصاف إليه.
وكتب إلى سعد بن مسعود الثقفي: إنك وفرت على المسلمين فيئهم، فأطعت ربك، ونصحت إمامك فعل المتنزه العفيف، فقد حمدت فعلك، ورضيت هديك، وأوتيت رشدك، وغفر الله ذنبك.
ومشى قوم خلفه، فقال: عنى خفق نعالكم؛ فإنها مفسدة لقلوب نوكي الرجال.
وقال: أكبر الغي أن تعيب رجلاً بما فيك، وأن تؤذي جليسك بما هو فيه عبثاً به.
وقال: اتقوا من تبغضه قلوبكم.
ودخل عليه السلام المقابر، فقال: " أما المنازل فقد سكنت، والأموال قد قسمت، والأزواج قد نكحت، فهذا خير ما عندنا؛ فما عندكم؟ ثم قال: والذي نفسي بيده لو أذن لهم في الكلام لأخبروا أن خير الزاد التقوى.
وخطب فقال: