جاء رجل فوقف بباب المهدي، وأعلم الربيع أنه قد رأى للمهدي رؤيا يريد أن يقصّها عليه مشافهةً، فاستأذن له، فدخل، وكان الرجل ذا رواء وهيئة فقال: إني رأيت كأن آتياً أتاني، فقال: أخبر أمير المؤمنين أنه يعيش ثمانين سنة والعلامة أنه يرى في منامه في هذه الليلة ثمانين فصّاً يواقيت قد وُهبت له. قال: تُمتحن هذه الليلة، فإن صدقت رؤياك أعطيناك، وإن كان الأمر بخلاف ذلك لم نعاقبك. لأن الرؤيا تصدق وتكذب. فقال الرجل: فما تقول لي عيالي وصبياني إذا علموا أني وصلت إلى الخليفة وبشّرته وخرجت هكذا. فيعجّل إليّ أمير المؤمنين شيئاً من صلته، وانا أحلف بالطلاق أني ما كذبت، فأمر له بعشرة آلاف درهم، وأخذ منه كفيلاً ليحضر في غد، فلما كان تلك الليلة رأى المهدي في المنام ما قاله الرجل، وأصبح متعجباً، وحضر الرجل، فلما رآه قال: ما رأيت شيئاً. فقال الرجل: امرأته طالق إن لم تكن رأيت ذلك فقال: ويلك! أحلف لك بالطلاق قد والله رأيت ذلك. فقال: الله أكبر، يجب أن تفي بما وعدتني. فأمر له بثلاثة آلاف دينار، وأخذها وانصرف. فقيل للرجل بعد ذلك: هل صدقت؟ قال: لا، ولكني لما ألقيت إليه ذلك أخطره بباله، وحدّث به نفسه، وشغل به فكره، فرآه في المنام، فحلفت بالطلاق، وطلّقتُها واحدةً، وزدت في مهرها عشرة دراهم، وأخذت خمسين ألف درهم.
لما انصرف أبو مسلم من حرب عبد الله بن عليّ رأى كأنه على فيل والشمس والقمر في حجره، فأرسل إلى عابر كان يألفه، وقصّ عليه - فقال: الرسم، فقبض عشرة آلاف درهم، وقال: قل، فقال: اعهد عهدك فإنك هالك قال الله: " ألم تر كبف فعل ربك بأصحاب الفيل، ألم يجعل كيدهم في تضليل " ؟ وقال: " وجُمع الشمس والقمر. يقول الإنسان يومئذ أين المفر " .
اضطر الناس في قديم الدهر إلى ملك، فجاءوا بواحد، ووضعوا التاج على رأسه. فقال: هذا ضيق، فتطيروا من ذلك، وجاءوا بتاج واسع وطمعوا أن يقول: هذا واسع فيكون ضد قوله الأول، فقال: أريد أضيق من هذا، فنفوه.
جاء رجل إلى عابر فقال: رأيت في النوم كأني راكب دابةً أشهب له ذنب أخضر قال: إن صدقت رؤياك استدلجت فُجلةً.
قال أبو عمرو بن العلاء: خرجنا حُجاجا، واكترينا من رجل فجعل في طريقه يرتجز إذا حدا بنا ولا يزيد على قوله:
يا ليت شعري، هل بغت عُليّه؟ ...
فلما انصرفنا من مكة قالها في بعض الطريق، فأجابه صوت في ظُلمة:
نعم نعم، وناكها حُجّييه ...
أحمر، ضخم في قفاه كيّه ...
فأسكت الرجل، فلما صرنا إلى البصرة أخبرنا، قال: دخل عليّ جيراني يًسلّمون، فإذا فيهم رجل ضخم أحمر، قلت لأهلي: من هذا؟ قالوا: هذا رجل كان ألطف جيراننا بنا، وأحسنهم تعهداّ لنا، فجزاه الله خيرا، فلما ولّى إذا أثر كيّ في قفاه، قلت للمرأة: ما اسمه؛ قالت: حُجيّة. قلت: الحقي بأهلك فقد أتانا خبر حُجية.
بينما كان أبو الحسن بن الفرات في أيامه الأولى يشرب في يوم ثلاثاء - وهو اليوم الذي قُيض عليه في غده - ويعمل في خلال شربه، إذ مرّت به رقعة فيها:
إن كان ما أنتم فيه يدوم لكم ... ظننت ما أنا فيه دائماً أبدا
لكن سكنت إلى أني وأنكم ... سنستجدّ خلاف الحالتين غدا
فكأنه اغتم بذلك، ثم أخذ في شأنه، وقال لجارية كانت في المجلس كان يألف غناءها، ويتفاءل بما لا تزال تغنيه: غنّي، فابتدأت وغنت:
أمنعيّة بالبين ليلى ولم تمت ... كأنك عمّا قد أظلّك غافل
ستعلم إن جدّت بكم غُربة النوى ... ونادوا بليلى أن صبرك زائل
فكأنه تنغّص والتاث، ووافته بدعة الصغيرة، فقام إلى دار له جديدة، ودعا بالشراب، وتناول قدحاً، والتمس من بدعة صوتاً فتطلّبت له صوتاً تتفاءل به بسبب الدار الجديدة فغنت:
أمرت لي منزلاً لأسكنه ... فصرت عنه المعبّد القاسي
ولم تحفظ البيت الثاني، فلما كان من غد حدثت عليه الحادثة.