قال رجل لآخر: مرحباً بأبي المنذر، فقال: ليست هذه كنيتي، فقال: نعم، ولكنها كنية مُسيلمة. يعرّض بأنه كذاب.
أسرت طيّء غلاماً من العرب، فقدم أبوه ليفديه فاشتطّوا عليه، فقال أبوه: لا والذي جعل الفرقدين يمسيان ويصبحان على جبل طيّء ما عندي غير ما بذلته، ثم انصرف وقال: لقد أعطيته كلاماً إن كان فيه خير فهمه. كأنه قال: الزم الفرقدين على جبل طيّء، ففهم الابن تعريضه، وطرد إبلاً لهم من ليلته ونجا.
قال عمر بن هبيرة الفزاري لأيوب بن ظبيان النميري، وهو يسايره: غضّ من بغلتك. فقال: إنها مكتّبة. أراد ابن هبيرة قول جرير:
فغض الطرف إنك ...
وأراد النميري قول ابن دارة:
لا تأمنن فزاريا خلوت به ...
ومر الفرزدق بمضّرس وهو ينشد قوله:
تحمّل من وادي أشيقر حاضره ...
وقد اجتمع عليه الناس، فقال الفرزدق، يا أخا بني فقعس، متى عهدك بالقنان؟ قال: تركته تبيض فيه الحمّر أراد الفرزدق قول نهشل بن حرى:
ضمن القنان لفقعس سوآتها ... إن القنان لفقعس لمعمّر
وأراد مضرس قول أبي المهوّش الأسدي - يرد عليه - :
قد كنت أحسبكم أسود خفيّة ... فإذا لصاف تبيض فيه الحمّر
وإذا تسّرك من تميم خصلة ... فلما يسوؤك من تميم أكثر
مر أبو خليفة المحاربي على أبي عمرو العدوي - عديّ تيم الرباب - وعندهم بقرة قد ذُبحت، وكانت غثّةً، فقال أبو خليفة: يا أبا عمرو، ما ننفي عن دارنا جيفةً إلا صارت إليكم. فقال أبو عمرو: يا أبا خليفة، إنما هي سحابة تمر فتغسل ذلك كله.
أراد أبو خليفة قول الشاعر:
إذا ما نفينا جيفةً عن ديارنا ... رأيت عديّاً حول جيفتنا تسري
وأراد أبو عمرو قول الشاعر:
إذا كنت ندماني على الخمر فاسقني ... بماء سحاب لم يخضه محارب
عرض ابن هبيرة على ضبيّ كان يمازحه فصّ فيروزج. يعرّض بقول الشاعر:
ألا كل ضبيّ من اللؤم أزرق
دخل أبو الحسن بن طباطبا العلويّ على أحمد بن عثمان، قاضي أصبهان - وكان قد هجاه بأهاج كثيرة - فأراد أن ينتصف منه، فقال له: بلغني أنك تشعر وتُجيد. فقال: كذا يقول الناس. فقال تعريضاً بنسبه: أشعرت أن قريشاً لم تكن تجيد الشعر؟ قال رجل متّهم في النسب لآخر مثله: يا دعيّ، فأنشد تعريضاً به:
عبد شمس أبوك وهو أبونا ... لا نناديك من مكان بعيد
قال بعضهم: اكتريت من جمّال فكان يحدو بنا في الطريق بقول الشاعر:
أبلج بين حاجبيه نوره ...
ولا يزيد عليه، فلما بلغنا المقصد قال:
إذا تغدّى رُفعت ستوره ...
فقلنا: هلاّ حدوت به مع البيت الأول؟ قال: خشية أن تحسبوا أني أعرّض بزادكم.
قيل لابن مجاهد: إن الصّولي قد صنّف كتاباً في القرآن سمّاه " الشامل " فقال هو جيد الدّست. يُعرّض بأنه شطرنجي، لا يحسن غيره.
خرج المأمون يوماً ومعه رقعة مكتوب فيها: يا موسى. فقال: هل تعرفون له معنىً؟ فقالوا: لا، فقال إسحاق بن إبراهيم الطاهري: يا أمير المؤمنين، هذا إنسان يُحدّر إنساناً، أما سمعت قوله تعالى: " قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين " ؟ فقال المأمون: صدقت، هذه صرف جاريتي كتبت إلى أختها مُتيّم جارية عليّ بن هشام: أني عازم على قتله، فحذّرته.
قال رجل من بني هاشم لأبي العيناء: يا حلقي، فقال: مولى القوم منهم. يعرض بولائه فيهم.
كان هشام بن عمرو التغلبي على نصيبين، فخرج يشيّع أبا مسلم، فقال أبو مسلم: كيف يقول عمك مهلهل:
إني لأذكر ميتتي، ونجيبتي ... تحتي، فأدفعها تخبّ ذميلا
إني لأكره أن أعيش مظّلماً ... طول الحياة، وأن أعيش ذليلا
فقال هشام لكاتبه: اكتب إلى أمير المؤمنين، وعرّفه أن أبا مسلم قد خلع الطاعة.
قيل: دخل الحسن بن سهل إلى المأمون فحلف عليه أن يشرب عنده فأخذ القدح بيده، فقال له: بحقّي عليك إلاّ أمرت من شئت أن يغنّيك فأومأ الحسن إلى إبراهيم ابن المهدي. فقال له المأمون: غنّه يا إبراهيم، فاندفع وغنّى:
تسمع للحلي وسواساً إذا انصرفت ... كما استعان بريح عشرق زجل