وصف رجل خالد بن عبد الله القسري بالشجاعة، ورد عليه بعض من حضر و قال: إن خالداً لم يشهد حرباً قط، فقال له صاحبه: اسكت فإن الصبر عند الجود أعظم من الصبر عند البأس.
لما قُتل جعفر بن يحيى قال أبو النواس: مضى والله الكرم والجود والأدب والعقل، فقيل له: ويحك! تهجوه في حياته وتمدحه في مماته؟ فقال: ذاك والله لجهلي، وشقاء جدي. وركوبي هواي، أيكون في الدنيا أكرم من جعفر، ولقد رفع إليه صاحب الخبر أني هجوته. وقلت:
لقد غرني من جعفر حسن بابه ... ولم أدر أن اللؤم حشو إهابه
ولست وإن أطنبت في مدح جعفر ... بأول إنسان خرى في ثيابه
فوقع في رقعته: يُدفع إليه عشرة آلاف درهم يغسل بها ثيابه؟ حُدّث أن رجلاً شيخاً أتى سعيد بن سلم وكلّمه في حاجة وما شاه، فوضع زج عصاه التي يتوكأ عليها على رجل سعيد حتى أدماها، فما تأوّه لذلك، وما نهاه، فلما فارقه قيل له: كيف صبرت منه على هذا؟ قال: خفت أن يعلم جنايته فينقطع عن ذكر حاجته.
مر عبد العزيز بن مروان بمصر فسمع امرأةً تصيح بابنها يا عبد العزيز، فوقف فقال: من المسنى باسمنا؟ ادفعوا إليه خمسمائة دينار، قال: فما ولد في أيامه مولود بمصر إلا سمي عبد العزيز.
مرض قيس بن سعد بن عبادة، فاستبطأ عواده، فقال لمولىً له: ما بال الناس لا يعودونني؟ قال: للدين عليهم، قال: بادر فيهم: من كان عليه شيء فهو له، فكسروا درجته من تهافتهم عليه.
كان عبد الله بن جدعان حين كبر أخذت بنو تيم على يده ومنعوه أن يُعطى شيئاً من ماله، فكان الرجل إذا أتاه يطلب منه قال له: ادن مني، فإذا دنا منه لطمه، ثم قال: اذهب فاطلب بلطمتك أو تُرضى فترضيه بنو تيم من ماله، وفيه يقول الشاعر:
والذي إن أشار نحوك لطما ... تبع اللطم نائل وعطاء
وكان سعيد بن العاص إذا سأله سائل فلم يكن عنده ما يعطيه قال: اكتب علي سجلاً إلى أيام يسرى.
اشترى عبد الله بن أبي بكر جارية بستين ألف درهم فطلبت دابة تحمل عليها، فلم توجد، فجاء رجل بدابته فحملها، فقال له عبد الله: اذهب إلى منزلك ووهبها له.
أرتج على عبد الله بن عامر بالبصرة يوم أضحى، فمكث ساعةً ثم قال: لا أجمع عليكم عياً وبخلاً، من أخذ شاةً من السوق فهي له، وعليّ ثمنها.
أهدى رجل إلى مالك هديةً، فأظهر الغم بها، فقال له جلساؤه في ذلك، فقال: فكيف وهي لا تخلو من أن تكون من مبتد أي من رجل أتقلد له يداً، أو من رجل قلّدته نعمة، فأكون قد أخذت على نعمتي ثمناً.
قصد رجل طلحة الطلحات بسجستان واستأذن الحاجب فقال هل: بم تمت؟ قال: إن لي عند الأمير يداً، قال: فخبرني أرفع إليه، قال: لا أقول إلا له، فدخل الحاجب وعرفه، فأذن له، فمثل بين يديه فقال: ما هذه اليد التي لك عندنا؟ قال: كنت يوماً مع الأمير جالساً فأماط عن لحيتي أذىً، قال: فهذه يدي لا يدك، قال: صدقت أيها الأمير جئت لتربها، قال: حباً ونعمةً، وأحسن إليه.
استحمل رجل معن بن زائدة فقال معن: يا غلام أعطه بعيراً وبغلاً وبرذونا وفرساً وجارية، ولو وجدنا مركوباً غير هذا لأعطيناه.
طلب رجل من أبي العباس خطراً فلم يعطه، فبلغ ذلك معن بن زائدة - وهو باليمن - فأرسل إليه بجراب خطر فيه ألف دينار وكتب إليه: اختضب بالخطر وانتفع بالنخالة.
باع أبو الجهم داره، فلما أرادوا الإشهاد عليه قال: بكم تشترون من جوار سعيد ابن العاص؟ قالوا: سبحان الله! وهل رأيت أحداً يشتري جوارأحد أو يبيعه؟ قال: لا تشترون مني جوار إنسان إن أسأت إليه أحسن؟ لا أريد أن أبيعكم شيئاً، ردوا عليّ داري، فبلغ ذلك سعيداً فبعث إليه بألف دينار.
قال رجل لآخر: اثت فلاناً فإنه لم ينظر إلى قفا محروم قط.
أراد الرشيد أن يخرج إلى القاطول فقال يحيى بن خالد لرجاء بن عبد العزيز - وكان على نفقاته - : ما عند وكلائنا من المال؟ قال: سبعمائة ألف درهم، قال: فاقبضها إليك يا رجاء، فلما كان من الغد غدا غليه رجاء فقبّل يده - وعنده منصور بن زياد - فلما خرج قال المنصور: قد ظننت أن الرجل قد توهم أنا وهبنا المال له وإنما أمرناه بقبضه من الوكلاء ليحفظها علينا؛ لحاجتنا إليها في وجهنا هذا، قال منصور: فأنا أُعلمه ذلك، قال: إذن يقول لك قل له: يُقبّل يدي كما قبلت يده فلا تقل شيئاً فقد تركتها له.