ودخل عليه كعب بن مالك الأنصاري، فقال: يا أمير المؤمنين بلغك عنا أمرٌ لو كان غيرك لم يحتمله، ولو كان غيرنا لم يقم معك عليه. ما في الناس من هو أعلم منك، وفي الناس من نحن أعلم منه. وأوضع العلم ما وقف عليه اللسان، وأرفعه ما ظهر في الجوارح والأركان. ونحن أعرف بقدر عثمان من قاتليه، وأنت أعلم بهم وبخاذليه. فإن قلت إنه قتل ظالماً قلنا بقولك، وإن قلت إنه قتل ظالماً قلنا بقولك، وإن قلت إنه قتل مظلوماً قلت بقولنا، وإن وكلتنا إلى الشبهة أيأستنا بعدك من إصابة البنة.
فقال عليه السلام: عندي في عثمان أربعٌ: استأثر فأساء الأثرة، وجزعتم فأسأتم الجزع، ولله عز وجل حكم عادلٌ في المستأثر والجازع.
قال ابن عباس: ما انتفعت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانتفاعي بكلام علي عليه السلام. كتب إلي: أما بعد؛ فإن المرء يشره درك ما لم يكن يفوته، ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه، فليكن سرورك بما أدركت من الآخرة، وليكن أسفك على ما فاتك منها، وما أتاك من الدنيا فلا تكن به فرحاً، وما فاتك فلا تكن عليه جزعا، وليكن همك لما بعد الموت والسلام.
وقال: لسان الإنسان يخطر على جوارحه.
وقيل له: ألا تخضب - وقد خضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. فقال: أنا أعلم بشجر أرضي. كان ذلك والإسلام قل. فأما إذا اتسع نطاق الإسلام فامرؤ وما اختار.
وقال في خطبته بصفين: قدموا الدراع. وأخروا الحاسر، وأميتوا الأصوات والتووا في أطراف الأسنة، واردعوا العجاج.
وقيل له: كيف الرزق والأجل؟ فقال: إن لك عند الله رزقاً، وله عندك أجلاً، فإذا وفاك مالك عنده أخذ ماله عندك.
ونزل به رجل، فمكث عنده أياما، ثم تغوث إليه في خصومة، فقال علي: أخصم أنت؟ نعم. قال: تحول عنا. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يضاف الخصم إلا ومعه خصمه.
وقال عليه السلام: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يعظم حلمك ويكثر علمك.
وقال: أشد خلق ربك عشرة أشياء، فأشدها الجبال فإن الحديد ينحت الجبال، والنار تأكل الحديد، والماء يطفئ النار، والسحاب يحمل الماء، والريح يفرق السحاب، والرجل يتقي من الريح بيده فيبلغ حاجته، والسكر يغلب الإنسان والنوم يذهب بالسكر، والهم يمنع النوم، فأشد خلق ربك الهم.
وقال: إن الله أعان الكذابين بالنسيان.
وقال عليه السلام: المدة قصيرةٌ وإن طالت، والماضي للمقيم عبرةٌ، والميت للحي عظة، وليس لأمس إذا مضى عودة، ولا المرء من غده على ثقة، والأول للأوسط جابذٌ، والأوسط للآخر آخذ، وكل لكل مفارقٌ، وكل بكل لاحقٌ، واليوم الهائل لكل آزفٌ، وهو اليوم الذي لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون، إلا من أتى الله بقلبٍ سليمٍ. اصبروا على عملٍ لا غنى بكم عن ثوابه، واصبروا عن عملٍ لا صبر لكم على عقابه، إن الصبر على طاعة الله أهون من الصبر على عذاب الله. اعلموا أنكم في نفسي معدود، وأجلٍ محدود، ولا بد للأجل أن يتناهى، وللنفس أن يحصى، وللسبب أن يطوى: " وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون " .
وكان إذا نظر إلى الهلال قال: اللهم اجعلنا أهدى من نظر إليه، وأزكى من طلع عليه.
وقال له الحسن عليه السلام: أما ترى حب الناس للدنيا؟ قال: هم أولادها. أفيلام المرء على حب والدته؟ وقال في القرآن: خير من قبلكم ونبأ من بعدكم وحكم ما بينكم وكان من دعائه: اللهم لا تجعل الدنيا لي سجناً، ولا فراقها علي حزناً. أعوذ بك من دنيا تحرمني الآخرة، ومن أملٍ يحرمني العملن ومن حياة تحرمني خير الممات.
وقال: الكريم لا يلين على قسرٍ، ولا يقسو على يسرٍ وقال: الدهر يومان؛ يوم لك ويم عليك؛ فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر، فبكليهما أنت مختبرٌ.
وقال له رجل: متى أضرب حماري؟ قال: إذا لم يذهب في حاجتك كما ينصرف إلى البيت.
وقال عليه السلام: النكبات لها غاياتٌ لا بد أن تنتهي إليها. فيجب للعاقل أن ينام لها إلى وقت إدبارها. فالمكابرة لها بالحيلة زيادةٌ فيها.
وقال: تعطروا بالاستغفار لا تفضحكم روائح الذنوب.
ومن كلامه الموجز عليه السلام: قيمة كل امرئ ما يحسن. إعادة الاعتذار تذكيرٌ بالذنب. النصح بين الملإ تقريعٌ. إذا تم العقل نقص الكلام. الشفيع جناح الطالب.