وكان عليه السلام يقول في دعائه: اللهم إن ذنوبي لا تضرك، وإن رحمتك إياي لا تنقصك فاغفر لي ما لا يضرك، وأعطني ما لا ينقصك.
وقيل له: كم بين السماء والأرض؟ فقال: دوةٌ مستجابةٌ وقيل له: كم بين المشرق والمغرب؟ فقال: مسيرة يومٍ للشمس من قال غير هذا فقد كذب.
وسئل عن عثمان، فقال: خذله أهل بدر. وقتله أهل مضر، غير أن من نصره لا يتسطيع أن يقول خذله من أنا خير منه. ووالله ما أمرت به ولا نهيت عنه، ولو أمرت به لكنت قائلاً، ولو نهيت عنه لكنت ناصراً. استأثر عثمان فأساء الأثرة، وجزعتم فأفحشتم الجزع.
وسأله الحسين عليه السلام عن النذالة، فقال: الجرأة على الصديق، والنكول عن العدو.
وذكرت عنده عليه السلام الخلافة، فقال: لقد تقمصها ابن أبي قحافة وهو يعلم أن محل منها القطب، ينحدر عني النسيل ولا تترقى إلى الطير. فصبرت وفي الحلق شجاً، وفي العين قذى، لما رأيت تراي نهباً. فلما مضى لسبيله صيرها إلى أخي عدي، فصيرها إلى ناحيةٍ خشناء تسنع مسها، ويعظم كلامها، فمنى الناس بتلوم وتلون، وزللٍ واعتذار، فلما مضى لسبيله صيرها إلى ستة زعم أني أحدهم. فيالله وللشورى! متى اعترض في الريب فأقرن بهذه النظائر؟ فمال رجلٌ لضغنه، وصغا آخر لصهره. وقام ثالث القوم نافجا خصييه بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يهضمون مال الله هضم الإبل نبات الربيع، فلما أجهز عليه عمله، ومضى لسبيله ما راعني إلا والناس إلى سراعاً كعنق الضبع، وانثالوا على من كل فج عميق، حتى وطيء الحسنان، وانشق عطفاي؛ فلما نهضت بالأمر مرقت طائفىٌ، ونكثت أخرى، وفسق آخرون، كأن لهم يسمعون الله يقول: " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علو في الآرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين " . بلى والله قد سمعوه، ولكن احلولت الدنيا في عيونهم، وراعهم زبرجها. أما والله لولا حضور الناصر، ولزوم الطاعة، وما أخذ الله على العباد ألا يقروا كظة ظالمٍ، ولا شغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيت دنياكم هذه أهون عندي من عفطة عنز.
شتان ما نومي على كورها ... ونوم حيان أخي جابر
فقام رجل من القوم فناوله كتابا شغل به، فقال ابن عباس: فقمت إليه، وقلت له: يا أمير المؤمنين؛ لو أبلغت مقالتك من حيث قطعت. قال: هيهات إنها كانت شقشقةً هدرت فقرت.
وقال: إن الله عز وجل فرض في أموال الأغنياء أوقات الفقراء، فما جاع فقيرٌ إلا بما منع غني. وعلى الله أن يسألهم عن ذلك.
وكان عليه السلام يقول: عليكم بالصبر:، فإن به يأخذ الحازم وإليه يئول الجازع. وقال: لا خير في صحبة من إذا حدثك كذبك، وإذا حدثته كذبك. وإن ائتمنته خانك، وإن ائتمنك اتهمك، وإن أنعمت عليه كفرك، وإن أنعم عليه منّ عليك.
ومن كلامه عليه السلام: أعجب ما في هذا الإنسان قلبه، وله مواد من الحكمة وأضدادٌ من خلافها، فإن سنح له الرجاء أذله الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرس، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن هاج به الغضب استبد به الغيظ، وإن أسعده الرضا نسى التحفظ، وإن ناله الخوف شغله الحزن، وإن استع له الأمن استلبته الغرة، وإن عادت له نعمةٌ أخذته العزة، وإن امتحن بمصيبةٍ فضحه الجزع، وإن أفاد ما لا أطغاه الغنى، وإن عضته فاقةٌ أضرعه البلاء، وإن أجهده الجزع أقعده الضعف، وإن أفرط في الشبع كظته البطنة؛ فكل تقصيرٍ، وكل إفراطٍ له مفسد.
وقال عليه السلام: يأتي على الناس زمانٌ لا يقرب فيه إلا الماحل، ولا يظرف فيه إلا الفاجر، ولا يعف فيه إلا المنصف. يتخذون الفيء مغنماً، والصدقة مغرماً، وصلة الرحم منا، والعبادة استطالةً على الناس؛ فعند ذلك يكون سلطان النساءئئن ومشاورة الإماء، وإمارة الصبيان.
وقال: عليكم بأوساط الأمورن فإنه إليها يرجع الغالي، وبها يلحق التالي.
وخطب فقال: اتقوا الله الذي إن قلتم سمع، وإن أضمرتم علم، واحذروا الموت الذي إن أقمتم أخذكم، وإن هربتم أدرككم. فقال ابن عباس: والله لكأن هذا الكلام ينزل من السماء.