وأوصى المنذر بن مالك البجلي بنيه وكان قد أصاب دماء في قومه فلحق ببني هلال ابن عامر، فلما حضره الموت جمع بنيه فقال: باسمك اللهم، يا بني احفظوا أدبي يكفكم وابتغوا وصاتي تلحقوا بصالح قومكم، فإني لم أكلكم إلى أديب حي، والمعنى بكم غائب عنكم، آثروا ما يجمل، واقنوا أخياركم، وأطيعوا ذوي الرأي منكم، وأجلوا ذوي أسنانكم، ولا تعطوا الدنية، وإن كان الصبر على خطة الضيم أبقى لكم، وتناصروا تكونوا حمى، وإذا قدمتم على قومكم فلتكن خلتكم واحدة، ولا تسثيروا دفين داءٍ لم يدرك مثله، يقطعوا عنكم النار، وتعدموا بقومكم غيرهم، ولا تدبروا أعجاز ما قد أودت صدوره فتفشلوا، وعفوا عن الدناءة، ووقروا أهل الكفاية، ولا تواكلوا الرفد والنجدة فتجدي عظتكم، واتخذوا لأسراركم من علانيتكم حاجزاً تكفوها، ولا تفيلوا الرأي بالظن فيبدع بكم، وأطيلوا الصمت، إلا من حق تسبقوا: والزموا الأناة تقر قدمكم، واغتنموا الفرصة تظفروا، وعجلوا تحمدوا، ولا تأخذوا حبلاً من قليل فإن القليل ذليل، وخذوا الحبل من ذي المرة الكاثر، وشمر لدرك الثأر، ومنعة الجار، واظعنوا في الشهر الأصم تبلغوا دار قومكم سالمين، واوفوا بالعهد، واتقوا الغدر، فشؤم النساء والغدر أورثاني دار الغربة.
وأوصى عمر بن يشكر البجلي فقال: يا بني إذا غدوتم فكبروا، وإذا أرحتم فهجروا، وإذا أكلتم فأوتروا، وإذا شربتم فأسئروا أوتروا، أي كلوا بثلاث أصابع.
أوصى مصعب بن يشكر فقال: يا بني أوسعوا الحبا، وحلوا الربا، وكونوا أسى تكونوا حمى.
وأوصى عمرو بن كلثوم التغلبي فقال: يا بني إني قد بلغت من الهرم ما لم يبلغه أحد من آبائي إلا جدي: تلك الرجل كان ملك جده فسمي الرجلُ لكماله، ولا بد من أمر مقتبل، وأن ينزل بي ما نزل بالآباء والأجداد والأمهاتِ والأولادِ، وإني والله ما عيرت رجلاً قط بشيء إلا وعيرني بمثله، وإن حقاً فحقاً، وإن كان باطلاً فباطلاً، من سب يسب، فكفوا عن الشتم، فإنه أسلم لأعراضكم، وصلوا أرحامكم، تعمر داركم، وأكرموا جاركم، يحسن ثناؤكم، وزوجوا بنات العم بني العم، فإن تعديتم بهن إلى الغرباء، فلا تألوا بهن عن الأكفاء، وابعدوا بيوت الرجال عن النساء، فإنه أغض للبصر، وأعف للذكر، فإذا كانت المعاينة واللقاء، ففي ذلك داءٌ من الأدواء، ولا خير فيمن لا يغار لغيره، كما يغار لنفسه، وقل من انتهك حرمةً لغيره، إلا انتهكت منه حرمته، وامنعوا ضيم الغريب من القريب، فإنك تذل على قريبك ولا يجمل بك ذل غريبك، فإذا تنازعتم في الدماء، فلا يكونن حقكم اللقاء، ورب رجل خير من ألف، وود خير من خلف، وإذا حدثتم فعوا، وإذا حدثتم فأوجزوا، فإن مع الإكثار يكون الإهذار، وموت عاجل خير من ضنى آجل، وما بكيت من زمان إلا دهاني بعده زمان، وربما شجاني من لم يكن أمره عناني، ولا عجبت من أحدوثة إلا رأيت بعدها أعجوبة، واعلموا أن أشجع القوم العطوف، كما أن أكرم الحتوف قتل بالسيوف، ولا خير فيمن لا روية له عند الغضب، ولا من إذا عوتب لم يعتب، ومن الناس من لا يرجى خيره، ولا يخاف شره، فبكؤه خير من دره، وعقوقه خير من بره، ولا تبرحوا في حبكم، فإنه من برح في حب، آل ذلك إلى قبيح البغض، وكم من قد زارني وزرته، فانقلب الدهر بنا فبرته، وقل ما رأيت غضباً إلا فترته أكتسب بغضاً، واعلموا أن الحليم سليم، وأن السفيه كليم، إني لم أمت، ولكني هرمت، ودخلتني ذلة فسكنت، وضعف قلبي فأهترت سلمكم ربكم وحياكم.
أوصى تميم بن مر فقال: يا بني عليكم بلا، فإنها ترفع للحنين وإياكم ونعم، فإنها رجاً للمين، وعليكم بالمسألة، فإنه است المسئول أضيق، ولا تحقروا اليسير أن تأخذوه، فإن اليسير إلى اليسير كثير، واستعيروا ولا تعيروا، واظهروا للناس من الحاجة لكي لا تسألوا فتمنعوا فتكون استاهم هي الضيقة، وإن وعدتم الناس شيئاً فأكرموهم، وأمطلوهم، فإن الذي يصدق في الموعد وإن مطل وهو مقل، يكون حرياً بالنجح في الموعد، إذا أمكنته المقدرة، وابدأوا الناس بالشر يرد عنكم الشر، وإياكم والوهن فيجرأوا عليكم، ولا تشتطوا في مهور النساء، فإن ذلك أكسد لأياماكم، جمع الله لكم أمركم.