خطب ذات يوم بالكوفة فقال: يا أهل العراق. وأتيتكُم وأنا أرْفُل في لِمتي، فما زال شقاقُكُم حتى اخضر شعري. ثم كشف عن رأس له أقرع، وقال:
مَنْ يكُ ذا لمة تكشّفها ... فإنني غير ضمائري ذُعْري
لا يمنعُ المرءَ أنْ يسودَ وأنْ ... يضربَ بالسيف قلة الشعر
قال الشعبيُّ: سمعتُ الحجاج يقولُ: أما بعد، فإن الله. جل وعلا كتب على الدُّنيا الفناءَ، وعلى الآخرة البقاءَ، فلا فناءً لما كتب عليه البقاءَ، ولا بقاء لمَنْ كتب عليه الفناءَ، فلا يغرنكُم ساعد الدنيا عن غائب الآخرة، واقْهروا طول الأمل بقصر الأجل.
وقال ابن عياش عن أبيه، قال: إن أول يوم عُرِفَ فيه الحجاج - وكان في الشُّرط مع عبد الملك - أن عبدَ الملك بعث إلى زُفَر بن الحارث عشرة نفر، أنا فيهم، ومعنا الحجاجُ وغيره من الشُّرط. قال: فكلمناه، وأبلغُناه رسالة عبد الملك، فقال: لا سبيل إلى ما تُريدون. قال: فقلت له: يا هذا، أراهُ والله سيأُتيكَ مالاً قبل لك به، ثم لا يُغْني عنك فُسَّاقُك هؤلاء شيئاً، فأطِعْني واخرُجْ.
قال: وحضرت الصلاةُ فقال: نُصلي، ثم نتكلم. فأقام الصلاة ونحن في بيِته، فتقدم وصلى بنا وتأخَّر الحجاجُ، فلم يصلِّ. فقلت له: أبا محمد. ما منعك مِن الصلاة!؟ قال: أنا لا أصلي خلف مخالف للجماعةِ، مُشاقٍّ للخلافة. لا. واللهِ لا يكونُ ذلك أبداً.
قال: فبلغتْ عبدَ الملك. فقال: إن شُرطيكم هذا لجَلْدٌ.
وخطب يوم فقال: أيها الناس، إن الصبْرَ من محارم الله أيسرُ من الصبر على عذاب الله.
فقام إليه رجلٌ فقال: مَا أصفق وجُهك، وأقَل حياءَك أيها الحجاجُ؟ فقال له الحجاجُ: اجترأْت علي. فقال له: أتجترئُ على الله ولا نُنْكِرُهُ. وأجْترئُ عليك فتُنكره فحلُم عنه، وخلَّى سبيله.
قال عبدُ الملك بن عُمَيْر: سمعتُ الحجَاج يقول في خطبته: أيها الناسُ لا يَملَّنَّ أحدُكم من المعروفِ، فإن صاحبَه يعْرِضُ خيراً، إما شكرٌ في الدنيا وإما ثوابٌ في الآخرة.
وقال الحجاجُ لعبد الملك: ما فيَّ عيبٌ إلا أني حسود، حقودٌ، لجوجُ فقال: ما في الشَّيطان شيءٌ شرٌّ مِمَّا ذكرتَ.
الباب الثالث
كلام الأحنف
رأى مع رجل درهماً، فقال: تحِبُّه؟ قال: نعم. أما إنه لا ينفعكُ حتى تفارقه.
قال: ما عرضتُ الإنصاف على رجل فقبِله إلا هبْتُه، ولا أباهُ إلا طمعتُ فيه.
وقال: الأذى تحكك في ناحية بيتي أحب إلي من أيِّم رددت عنها كُفواً.
وقيل له: من السيد؟: قال: الذليلُ في نفسه، الأحمقُ في مالهِ، المعْنيُّ بأمر قومه، الناظر للعامّة.
وقال: رُب رجل لا تُملُّ فوائده وإنْ غاب، وأخر لا يسلمَ جليُسه وإن احُترس.
وقال: كلُّ ملك غدار وكلّ دابة شرود وكل امرأة خئُوفٌ.
وقال: سهرت ليلةً في كلمة أرضى بها سُلطاني، ولا أسخطُ بِها ربيِّ فما وجدتُها.
وقيل له: ما الحلم؟ قال: الرِّضاءُ بالذُّل.
وقيل لرجل: ليت طول حلمنا عنك لا يدعُو جهل غيرنا إليك.
وقال: أكرموا سفهاءَكم فإنهم يكفونكُم العار والنار.
وقال: وإياكم والكسل والضجر، فإنك إن كسلت لم تؤردِّ حقاً، وإن ضَجِرت لم تصبر على حقِّ.
وذكرَ رجلاً فقال: لا يحقر ضعيفاً، ولا يحسد شريفاً.
وقال: الشرفُ مَن عُدَّت سقطاتُه.
وقيل له: ما اللؤُّم؟ قال: الاستعصاءُ على الملهوف. قيل: فما الجود؟ قال: الاحتيالُ للمعروف.
وسمع رجلا يقول: ما بتُّ البارحةً من وجع ضرس. وجعل يُكثر، فقال له الأحنف: كم تكثر!! فو الله لقد ذهبت عيني منذ ثلاثين سنة، فما قلتُ لأحد.
وقيل له: ما الحلم؟ قال: الذُّل.
وقال: لستُ بحليم ولكني أتحالم.
وقال يومَ قُتل مصعب: انظروا إلى المصعب، على أي دَابَّة يخرج؟ فإن خرج على برْذَوْن فهو يريد الموت، وإن خرج على فرس فهو يريد الهرب.
قال: فخرج على برذونٍ يجر بطنه.
وقال الأحنف: استميلُوا النِّساء بحسن الأخلاق وفُحْشِ النكّاح.
وقال: وجدتُ الحلمَ أنصر لي من الرِّجال.
جلس معاويةُ يوماً - وعنده وجُوه الناس، وفيهم الأحنفُ، إذا دخل رجلٌ من أهل الشام، فقام خطيباً، وكان آخر كلامه: أن لعَن علياً عليه السلام. فأطرق الناس، وتكلم الأحنفْ فقال: