FluentPlex

Scattered Pearls

كلام الحجاج

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

ثم قام أبو مريم السلُولي - وكان خَماراً في الجاهلية - فقال: أشْهدُ - يا أمير المؤمنين - أن أبا سفيان قدم علينا الطائفَ، فأناني فاشتريتُ له لحماً، وخمراً، وطعاماً. فلما أكل قال: يا أبا مريم، أصبْ لنا بغياً. فخرجتُ أتيتُ سُمية فقلتُ لها: إن أبا سفيان مَنْ قد عرفت شرفَه وحاله. وقد أمرني أنْ أصيب له بغياً، فقالت لي: نعم يجيءُ الآن عُبيدٌ من قبَلِ غنمه - وكان راعياً - فإذا تعشى، ووضع رأسَه أتيتُه فرجعتُ إلى أبي سفيان فأعلمتُه.

فلم تلبثُ أن جاءت تجُرُّ ذيلَهَا، فدخلت معه، فلم تزلْ عنده حتى أصبحتْ فقلتُ لما انصرفتْ: كيفَ رأيتَ صَاحبتَك؟ فقال: خَيْر صَاحب لولا دَفرٌ في إبطَيْها. فقال زياد منْ فوق المنبر: مَهُ يا أباَ مريْمَ: لا تشتمْ أمهات الرجالِ فتُشتَمَ أمكَ.

ثم قام زياد، وأنْصت الناسُ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناسُ: إن معاوية والشهودَ قد قالوا ما سمعتُم، ولستُ أدري حق هذا منْ باطله، وهو والشهودُ أعلمُ بما قالوا: وإنما عبيدٌ أبٌ مبْرورٌ أو والدٌ مشكور. ثم نزل.

وقال الشعبي: قَدم زيادٌ الكوفةَ فدنوْتُ من المنبر لأسمعَ كلامَه فلم أرَ أحداً يتكلمُ فيُحسن إلا تمنيت أنْ يسكتَ مخافةَ أن يُسيءَ غيرَ زياد، فإنَّه كان لا يزدَادُ إكثاراً إلا ازدادَ إحساناً. فقال بعد أن حمدَ الله: إن هذا الأمرَ أتاني وأنا بالبصرة، فأردتُ أن أخُرجَ إليكم في ألفين مِنْ شُرطِها. ثم ذكرتُ أنكم أهلُ حقٍّ، وأن الحقّ طالما دَفعَ الباطلَ. فخرجتْ إليكم أهل بيتي.

فالحمد لله الذي رفع منَّا ما وضع الناسُ، وحفظ منا ما ضيعوا.

أيها الناس: إنا سُسنا وساسَنا السائسون، وجَرَّبْنا، وجربَنا المجَرِّبون، فوجدنا هذا الأمرَ لا يُصلحُنه إلى شدّة من غير عُنف، ولينٌ في غير ضعف، فلا أعلمَنَّ أنَّا أغلقْنا باباً ففتحتُموه، ولا حللْنا عَقْدا فشدَدتُموه. وإني لا أعدُكم خيراً ولا شراً إلا وفيتُ به، فإذا تعلقتُم على بكذبة فلا ولاية لي عليكم.

وإني آمُرُكم بما آمُرُ به نفسي وأهلي فمَنْ حال دون أمري ضربتُ عنقه.

ألا وأني لا أهْتكُ لأحد منكم سِتْراً، ولا أطلع منْ وراء باب، ولا أقيلُ أحداً منكم عَثْرةً.

قال: فحَصبْوه من كل جانب فجلَس على المنبر حتى سكتُوا وأمسكوا ثُم نادى الشرط، فأخذوا بأبواب المسجد، وألقى كُرسياً على بعض الأبواب ثم عَرضَ الناسَ أربعةً أربعةً يستحلفهُم، فمن حلف أنه لم يحصبه تركه، ومن أبى حبَسَه.

قال: فقطع يومئذ أيدي ثمانين إنساناً ممنْ لم يحلف.

فقال الحسن البصري: أوعدَ عمرُ بنُ الخطاب فُعوفي وأوعدَ زيادٌ فابتُلي وقال أيضاً: تشبه زيادٌ بعمرَ فأفْرط، وتشبه الحجاج بزياد فأهْلك الناسَ.

قال زيادٌ لابنه: إذا دخلْتَ على السُّلْطان فادعُ له، ثم اصفح عنه صفْحاً جميلاً. ولا يَرينَّ فيك تهالُكاً عليه ولا انقباضاً منه.

وسمع رجلاً يدعو عليه وهو يقول: اللهمَّ اعزلْ عنا زيادا. فقال له: قل، وأبْدلْنا به خيراً منه.

وقال لابنه عبيد الله عند موته: لا تدنِّس عرضْك، ولا تَبْذُلَّن وجهك، ولا تُخْلقن جدتك بالطلب إلى مَنْ ردك كان ردُّه عليْكَ، وإنْ قضَى، حاجتَك جعلَها عليْك مَنًّا. فاحتمل الفقرَ بالتنزُّه عما في يد غيرك، والزم القناعةَ بما قُسم لك، فإن سُوء حمل الفقر يَضعُ الشريف، ويُخْملُ الذِّكْر، ويُوجبُ الحرمانَ.

قال زياد: يُعجُبني من الرجل إذا أتى مجلساً أنْ يعلمَ أيْنَ مكانُهُ منْه فلا يتعداه إلى غيره، وإذا سيمَ خُطةَ خسف أنْ يقول: لا، بملء فيه.

الباب الثاني

كلام الحجاج

خطب فقال: أيها الناسُ. من أعْياه داؤه فعنْدي دَواؤه، ومن اسْتبط أجله، فعلى أنْ أعجِّله. ومَنْ ثَقْلَ عليه رأسُه وضَعْتُ عنه ثِقلَه، ومن استطال ماضي عمره قصرْتُ عليه باقيَهُ: إنّ للشيطانِ طيفاً، وللسُّلطان سَيْفاً، فمن سَقمتُ سريرَتُه صحت عقوبتُه، ومَن وضعَه ذنُبه رفعهُ صَلُبه، ومَن لم تسَعْهُ العافيةُ لم تضق عنه الهلكةُ. ومن سبقتهُ بادرةُ فمه سَبقَ بدنَهُ بسفك دَمه.

إني أنذرُ ثم لا أنظرُ، وأحذِّر ثم لا أعْذِر، وأتوعَّد ثم لا أغْفِر. إنما أفْسدكُم تَرْنيقُ ولانكمُ. ومَنْ استرخى لببُه ساء أدبُه.

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا