استعمل عمر المغيرة بن شعبة على البحرين ثم عزله، فقال دهقان القرية لأهلها - وكان مطاعاً فيهم: اجمعوا لي مائة ألف درهم آتي بها عمر ففعلوا، فقال عمر: ما هذا؟ قال: هذا أودعناه المغيرة. فقال عمر للمغيرة: ما هذا؟ قال: إنها مائتا ألف درهم. فقال للدهقان: قد تسمع. فقال: والله ما أودعنا شيئاً، إلا أننا خفنا أن ترده إلينا. فقال عمر للمغيرة: ما دعاك إلي ما قلت؟ قال: أحببت أن أخزيه إذ كذب علي.
كان سعد القرظ زنجياً عبداً لعمار بن ياسر، وكان على نخلة يجتبي منها فسمع الزنج يتكلمون فيما بينهم فأذن، فاجتمع إلى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فقال: ما حملك على الأذان؟ فقال: خفت عليك فأذنت ليجتمع إليك أصحابك. فأمره بعد ذلك بالأذان فكان مؤذناً.
قال عباس بن سهل الساعدي: لما ولي عثمان بن حيان المري المدينة عرض ذات يوم بذكر الفتنة، فقال له بعض جلسائه: عباس بن سهل كان شيعة لابن الزبير وكان قد وجهه في جيش إلى المدينة. قال: فتغيظ علي، وآلى ليقتلنني. فبلغني ذلك فتواريت عنه حتى طال علي ذلك، فلقيت بعض جلسائه، فشكوت ذلك إليه، وقلت له: قد آمنني أمير المؤمنين عبد الملك. فقال لي: ما يخطر ذكرك إلا تغيظ عليك وأوعدك، وهو ينبسط للحوائج على طعامه، فتنكر وأحضر طعامه ثم كلمه بما تريد.
ففعلت، فأتى بجفنة ضخمة فيها ثردة عليها اللحم. فقلت: لكأني أنظر إلى جفنة حيان بن معبد وتكاوس الناس على بباحته. ووصفت له باحته فجعل يقول: أرأيته؟ فقلت: لعمري كأني أنظر إليه حين تخرج علينا وعليه مطرف خز يجر هدبه يتعلقه حسك السعدان ما يكفه عنه، ثم يؤتي بجفنة، فكأني أنظر إلى الناس يتكاوسون عليها؛ منهم القائم ومنهم القاعد. قال: ومن أنت رحمك الله قلت: آمني آمنك الله. قال: قد آمنتك، قلت: أنا عباس بن سهل الأنصاري. قال: فمرحباً بك وأهلاً، أهل الشرف والحق.
قال عباس: فرأيتني وما بالمدينة رجل أوجه عنده مني. قال: فقال بعض القوم بعد ذلك: يا عباس؛ أأنت رأيت حيان بن معبد يتكاوس الناس على جفنته. فقلت: والله لقد رأيته ونزلنا باحته فأتانا في رحالنا وعليه عباءة قطوانية، فجعلت أذوده بالسوط عن رحالنا خيفة أن يسرقنا.
الباب الرابع
نكت من كلام الحكماء
قيل لبعضهم: أخرج هذا الغم من قلبك. فقال: ليس بإذني دخل.
قال رجل لشبيب من شيبة: أنا والله أحبك يا أبا معبد. قال: أشهد على صدقك. قال: وكيف ذاك، قال: لأنك لست بجار قريب، ولا ابن عم نسيب، ولا مشاكل في صناعة.
قالوا: صاحب السوء قطعة من النار. ولذلك لما قال القائل: ما رأينا في كل خير وشر خيراً من صاحب. قال الآخر: ولا رأينا في كل خير وشر شراً من صاحب.
قال أبو عثمان النهدي: أتت علي مائة وثلاثون سنة، ما من شيء إلا وأنا أجد فيه النقص إلا أملي فإني أجده كما أو يزيد.
قال بعضهم: العالم يعرف الجاهل لأنه كان جاهلاً، والجاهل لا يعرف العالم لأنه لم يكن عالماً.
سئل بعضهم عن الغنى فقال: شر محبوب وعن الفقر فقال: ملك ليس فيه محاسبة.
الفرصة ما إذا حاولته فأخطاك نفعه لم يصل إليك ضره.
بلوغ أعلى المنازل بغير استحقاق من أكبر أسباب الهلكة.
كل شيء يعز إذا قل، والعقل كلما كان أكثر كان أعز وأغلى.
قال عامر بن عبد القيس: الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان.
قالوا: مقتل الرجل بين لحييه.
التثبت نصف العفو.
قال أكثم: الكرم حسن الفطنة. واللؤم سوء التغافل.
قيل: أسوأ الناس حالاً من اتسعت معرفته، وبعدت همته، وضاقت مقدرته.
كان عبد الملك بن الحجاج: يقول: لأنا للعاقل المدبر أرجا مني للأحمق المقبل.
وقالوا: أمران لا ينفكان من الكذب: كثرة المواعيد وشدة الاعتذار.
قال الفضيل بن عياض لسفيان الثوري: دلني على من أجلس إليه. قال: تلك ضالة لا توجد.
قيل لعبد الله بن كرز: هلا أجبت أمير المؤمنين حين سألك عن مالك. قال: إنه إن استكثره حسدني، وإن استقله حقرني.
قال بعضهم: عيادة النوكى الجلوس فوق القدر، والمجيء في غير وقت.
قال محمد بن واسع: