كان عثمان الخياط من كبار الفتيان والشطار؛ فقال: ما سرقت جاراً قط ولو كان عدواً، ولا سرقت كريماً رأنا أعرفه، ولا خنت من خانني. ولا كافأت غدراً بغدر، ولقد قتلت بيدي أكثر من مائة خناق ومبنج؛ لأنهما لا يقتلان ولا يسلبان إلا عند وجوب الحرمة، وعند الاسترسال والثقة. وكان يسمى الخياط لأنه نقب نقباً فأخرج كل شيءٍ كان في البيت، حتى دثار الدار صاحب الدار وشعاره، ثم خرج وسد النقب، وسواه تسويةً كأنه خاطه أو رفاه، فلقب بالخياط.
وكان سليمان بن طرادٍ منهم، وكان لا يقعد في دهليزه، ولا يشرب من جناحه، بل يصير في قصرٍ من قصور الأبلة، ولا يطلع في كوةٍ، ويأمر بذلك أصدقاءه وأصحابه، ويقول: إن تعودتم النظر إلى الماء والخروج إلى المتنزهات جزعتم من الحبس لم تدفعوا ضيماً، ولم تكسبوا مالاً.
وكان يقول: لا يعجبني الفتى يكون لحاظاً. وكان صاحب إطراقٍ.
وكان يقول: إياكم وفضول النظر، يدعو إلى فضول القول والعمل.
ومنهم بابويه؛ وكان شيخاً كبيراً ذا رأي ونجدة، وصدق وأمانة، وهمةٍ بعيدة، وأنفةٍ شديدة.
وكان محبوساً بعدة دماء فلما نقب حمير بن مالك السجن، وقام على باب النقب يشرب الناس ويحميهم؛ ليستتم الكرامة، وجاء رسوله إلى بابويه، فقال: أبو نعامة ينتظرك، وليس له هم سواك، وما بردت مسمارً، ولا فككت حلقة، وأنت قاعد غير مكترثٍ ولا محتفلٍ وقد خرج الناس حتى الضعفاء؛ فقال بابويه: ليس مثلي يخرج في الغمار، وتدفع عنه الرجال. لم أشاور ولم أؤامر. ثم يقال لي الآن: كن كالظعينة، والأمة، والشيخ الفاني. والله لا أكون في الجنة تابعاً ذليلاً.
فلم يبرح، وخرج سائر الناس - وإجرامه وحده كإجرام الجميع - فلما جاء الأمير ودخل السجن فلم ير فيه غيره قال للحرس: ما بال هذا؟ . فقصوا عليه القصة؛ فضحك وقال له: خذ أي طريق شئت؛ فقال بابويه: هذا عاقبة الصبر.
الباب الثالث عشر
العي ومكاتبات الحمقى
كتب بعض الرؤساء إلى وكيلٍ له في ضيعةٍ: وقد وصلت النعاج، وهي: تسع نعاج. وتسع نعاجٍ أربعٌ ونصفٌ نعاج.
وكتب فلان ابن فلان في الوقت المؤرخ فيه.
قال بعضهم: ما من شرٍّ من دين؛ فقيل له: ولم ذاك؟ . قال: من جراء يتعلقون.
قال قاسم التمار في كلام له: بينهما كما بين السماء إلى قريبٍ من الأرض.
وقال أيضاً: لو رأيت إيوان كسرى كأنما رفعت عنه الأيدي أول من أمس.
وقال الجاحظ: قال لي ابن بركة: يا أبا عثمان، لا تثقن بقحبةٍ ولو كانت أمك. قال: فلم أر تأديباً قط أبعد من جميع الرشد من هذا.
قرأت لبعض كتاب الزمان في كتاب سلطان أنشأن: ما سمع قرعي هذا. يريد: ما قرع سمعي.
وبعض كتاب الأمراء يوقع في الصكاك والمناشير: اللهم ألبسنا العافية.
وكان بعض أكابر كتاب عضد الدولة يوقع في الصكاك: الحمد لله فتاح المغاليق؛ فكتب بعض البغداديين تحت توقيعه: شربي وشربك مذ جئنا على الريق.
تظلم أهل قم إلى عبد الله القمي وزير ركن الدولة من أخيه - وكان واليهم - ورفعوا إليه رقعة؛ فوقع في قصتهم: من دفع في أخي درهماً دفعت فيه ديناراً؛ فإن ودى ودى، وإن لا ودى خرج من دقه وجلده حتى ودى؛ والسلام.
قال بعضهم: جئت إلى كاتبٍ وسألته كتاب شفاعةٍ إلى بعض أصدقائه؛ فكتب: يجب أن تصونه وتحوطه، وترد عليه خطوطه. قال: فقلت: الرجل لم يعرفني قط وليس معه شيءٌ من خطوطي؛ فقال: إن أردت أن تأخذ الكتاب فخذه، وإلا فإني لا أضيع سجعي.
قال بعضهم: كتب إلى جامع الصيدلاني كتاباً؛ فكتب جوابه. وجعل عنوانه مني إلى ذاك الذي كتب إلي.
كتب ابن المتوكل إلى محمد بن عبيد الله يطلب فهداً؛ فكتب إليه: نحرت عند مقام لا إله إلا الله؛ صلى الله على سيدي فديته، إن كان عندي مما طلبته وزن دنقٍ فلا تظن يا سيدي أني أبخل عليك بالقليل دون الكثير فضلاً عن الكثير، والسلام.
وكتب معاوية بن مراون - وكان محمقاً - إلى الوليد بن عبد الملك: قد بعثت إليك بقطيفةٍ حمراء حمراء حمراء؛ فكتب في جوابه: قد وصلت، وأنت أحمق أحمق أحمق.
قال أبو العيناء: كتب بعضهم إلى صديقٍ له: بسم الله الرحمن الرحيم.
وأمتع بك، حفظك الله واتقي لك من للنار سوء الحساب. كتبت إليك والدجلة تطفح، وسفن الموصل هاهنا، والخبز رطلين؛ فعليك بتقوى الله، وإياك والموت؛ فإنه طعام سوءٍ، والسلام.