أصيب إسحاق بن محمد بن الصباح الكندي بابنٍ له، فجزع؛ فدخل أهل الكوفة يعزونه، ودخل فيهم بهلول؛ فقال: أيسرك أنه بقى وأنه مثلي؟ . قال: لا والله، وإنها لتعزية.
قال بعضهم: جاءنا جعيفران في سوق أصحاب اللؤلؤ، فوهب له إنسانٌ حبةً من الحب الصغار؛ فقال له رجل: أتبيعها بطسوج؟ ، فقال: إن كان بطسوج بادرونا فنعم.
هرب مجنون من الصبيان، ودخل دهليزا، وأغلق الباب في وجوههم وجلس؛ فخرج إليه صاحب الدار، فقال: لم دخلت داري؟ . قال: من أيدي هؤلاء أولاد الزنى. فدخل صاحب الدار، وأخرج طبقاً عليه رطب كثير، فجلس المجنون يأكل، والصبيان يصيحون على الباب؛ فأخرج المجنون رأسه إلى صاحب الدار، فقال: بابٌ باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب.
قيل لمجنون كان بالبصرة: عدلنا مجانين البصرة. قال: كلفتموني شططا، أنا على عد عقلائهم أقدر.
كان ببغداد مجنونٌ يلبس فروةً مقلوبة، فإذا قيل له في ذلك قال: لو علم الله أن الصوف إلى داخلٍ أجود عمل الصوف إلى داخل.
قال الفزاري: رأيت مجنوناً يسوى رأس سكران، ويقول له: يؤيؤ، والله لا أفلحت أبداً.
قيل لمجنون: أين المولد؟ . قال: المولد البصرة، والمنشأدير هزقل.
شد مجنونٌ على رجل بالبصرة، فأخذه الرجل فضربه. فقال الناس: إنه مجنون، وجعل المجنون من تحته: ويحكم أفهموه.
قيل لمجنون: أيسرك أن تصلب في صلاح هذه الأمة؟ . قال: لا، ولكن يسرني أن تصلب الأمة في صلاحي.
قال داود المصاب لصديق له: رأيت البارحة رؤيا نصفها حق، ونصفها باطل، رأيت كأني قد حملت على عاتقي بدرة، فمن ثقلها خريت فانتبهت فرأيت الخرا، ولم أر البدرة.
سمع مجنونٌ رجلاً يقول: اللهم لا تأخذنا على غفلة. فقال: إذاً لا يأخذك أبداً.
قال بعضهم: كان بالشام مجنونٌ يستطرف حديثه، قال: رأيته يوماً وقد رفع رأسه إلى السماء وهو يقول: الناس كذا يعملون، وهذيانٌ كثير. قيل له: ما تقول؟ ويحك. قال: أعاتب ربي. قيل: فكذا يخاطب الله. قال: قلت له: بدل ما خلقت مائةً وجوعتهم لو كنت تخلق عشرةً وتشبعهم لكان خيراً.
جاء مجنونٌ إلى يزيد بن هارون، فقال له: يا أبا خالد؛ أليس النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لولا أن الكلاب أمةٌ من الأمم لأمرت بقتلها، ولكن اقتلوا منها كل أسود بهيم " . قال يزيد: نعم. فقال المجنون: أليس قد قال الله تعالى: " وإن من أمةٍ إلا خلا فيها نذيرٌ " . فمن نذير الكلاب؟ قال: فتحير يزيد في جوابه. فقال له المجنون: تحب يا أبا خالد أن أعرفك نذير الكلاب؟ قال: نعم، فأخذ حجراً فرمى به كلباً بالقرب منه؛ فعدا الكلب يعوي وينبح؛ فقال: يا أبا خالد؛ الحجر نذير الكلاب.
سأل بعض الولاة عن أبي نصر الهروي ليعبر له رؤيا رآها، فقيل له: هو بمرو يأوي الصحراء؛ فبعث إليه، فأتي به؛ فقال: إني رأيت كأن في كمي عصافير؛ فجعلت تفلت واحدةً واحدة، وتطير؛ فلما كان آخر عصفورةٍ كادت تفلت، فحبستها.
قال المجنون: أكلت عدسية، فبت تضرط ليلتك؛ فلما كان آخرها أردت أن تسلح فحبسته. فقال الوالي: اسكت قبحك الله. قال: هو والله ما قلت. فلما خرج قال الرجل: والله ما أخطأ شيئاً.
رثي بهلول مغموماً يبكي؛ فقيل: ما يبكيك؟ . قال: كيف لا أبكي؟ وقد جاء الشتاء وليس لي جبة. فقيل: لا تبك؛ فإن الله لا يدعك بلا جبة. قال: بلى والله. عام أولٍ تركني بلا جبة ولا سراويل، وأخاف أن يدعني العام بلا جبة ولا سراويل ولا قلنسوة.
قال بعضهم: مررت يوماً ببهلول، وهو يأكل فرنية حواري مع دجاجة، فقلت له: يا بهلول؛ أطعمني مما تأكل، فقال: ليس هذا لي - وحياتك - هذا دفعته إلي أم جعفرٍ آكله لها.
نظر رجلٌ إلى جماعةٍ من المجان حول مجنون، فقال له: ادخل إلى بعض المواضع حتى يتفرقوا عنك. قال: إذا جاعوا انصرفوا.
قيل لبهلول: تأخذ درهماً وتشتم فاطمة؟ . قال: لا، ولكن هاتوا نصف درهمٍ حتى أشتم عائشة، وأزيدكم أباها.
كان الجهجاه مجنوناً، وكان يدعي الخلافة، فأدخل على الرشيد، وعنده أبو يوسف القاضي، فقال: جعفر بن يحيى كالهازئ به: هذا أمير الضراطين. يزعم أنه أمير المؤمنين. قال: لو كنت كذلك أوسع إمرةً من صاحبك؛ لأن الضراط عامٌ، والإيمان خاصٌ.