وغلب عبيد الله فقال: يا أبا العيناء؛ قد غلبنا، وقد أصابك الندب خمسون رطلاً ثلجاً. فكن أنت في حيلتها. قال: فقام ومضى إلى ابن ثوابة، وقال: إن الأمير يدعوك؛ فلما دخلا قال: أيد الله الأمير، قد جئتك بجبل همذان وما سيذان، فخذ منه ما شئت.
وقال يوماً لولد حجاج بن هارون: في أي باب أنت من النحو؟ قال: في باب الفاعل والمفعول. فقال: أنت في باب أبويك إذاً.
ومر على دار عدو له؛ فقال: ما خبر أبي محمد؟ فقالوا: كما تحب. قال: فما بالي لا أسمع الرنة والصراخ؟ .
ووعده ابن المدبر بدابةٍ، فلما طالبه قال: أخاف أن أحملك عليه فتقطعني ولا أراك. فقال: عدني أن تضم إليه حماراً لأواظب مقتضياً.
ووعده أن يحمله على بغل، فلقيه في الطريق؛ فقال: كيف أصبحت يا أبا العيناء؟ قال: أصبحت بلا بغلٍ؛ فضحك من قوله، وبعثه إليه. وحمله بعضهم على دابةٍ، فاشتراها ابن الرجل منه بثمنٍ أخره، ولقيه بعد أيامٍ، فقال: كيف أنت يا أبا العيناء؟ قال: بخيرٍ يا من أبوه يحمل وهو يرجل.
وقالت له قينة: هب لي خاتمك أذكرك به. فقال: اذكريني بالمنع.
وقالت له قينة: أنت أيضاً يا أعمى فقال لها: ما أستعين على وجهك بشيءٍ أصلح من العمى.
وقال لصاعدٍ: أنت خيرٌ من رسول الله؛ فقال: ويلك كيف؟ قال: إن الله تعالى قال له: " ولو كنت فظاً غليظ القلي لانفضوا من حولك " ؛ وأنت فظ ولسنا ننفض.
وقال ابن السكيت يوماً: تراك أحطت بما لم أحط به. قال: ما أنكرت؛ فو الله لقد قال الهدهد، وهو أخس طائرٍ لسليمان: " أحطت بما لم تحط به " .
وقال: - وقدم إلى مائدةٍ - عليها أبو هفان وأبو العيناء - فالوذج، فقال أبو هفان: لهذه أحر من مكانك في جهنم. فقال أبو العيناء: إن كانت هذه حارةً فبردها بشعرك.
وقال له صاعدٌ يوماً: ما الذي أخرك عنا؟ قال: بنيتي. قال: وكيف؟ قال: قالت: يا أبه؛ قد كنت تغدو من عندنا فتأتي بالخلعة السرية والجائزة السنية، ثم أنت الآن تغدو مسدفاً، وترجع معتماً، فإلى من؟ قلت: إلى أبي العلاء ذي الوزارتين. قالت: أيعطيك؟ قلت: لا. قالت: أيشفعك؟ قلت: لا. قالت: أفيرفع مجلسك؟ قلت: لا. فقالت: يا أبه، " لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً " .
وقال له عبد الله بن سليمان: إن الأخبار المذكورة في السخاء وكثرة العطاء أكثرها تصنيف الوراقين، وأكاذيبهم قال: ولم لا يكذبون على الوزير أيده الله.
وقال له محمد بن مكرم: لهممت أن آمر غلامي بدوس بطنك. فقال: الذي تخلفه على عيالك إذا ركبت، أو الذي تحمله على ظهرك إذا نزلت؟ .
وقال يوماً لقينةٍ: كم تعدين؟ قالت: ثلاثين سنة. قال: أنت ابنة ثلاثين سنة منذ ثلاثين سنة.
وقيل له: إلى من تختلف اليوم؟ قال: إلى من يختلف عليه.
وأكل عنده سائلٌ فأكثر؛ فقال: يا هذا أطعمناك رحمةً فصيرتنا رحمةً.
وقال له بعض من ناظره: أبلعني ريقي؛ فقال: قد أبلعتك دجلة والفرات.
وقيل له: ما تقول في ابني وهب؟ قال: " وما يستوي البحران هذا عذبٌ فراتٌ سائغٌ شرابه وهذا ملحٌ أجاجٌ " سليمان أفضل. قيل: وكيف؟ قال: " أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أمن يمشي سوياً على صراطٍ مستقيمٍ " .
وقيل له: ما تقول في محمد بن مكرم والعباس بن رستم؟ قال: هما الخمر والميسر وإثمهما أكبر من نفعهما.
وقال يوماً لرجل دخل من النصرانية في الإسلام: أتشرب الخمر؟ قال: بلى. قال: لقد أصبت عين الرأي، إذ دخلت في عزة هذه الدعوة، وثبت على شرائط تلك النحلة.
ولما استوزر صاعد بعقب دخوله من النصرانية في الإسلام صار أبو العيناء إلى بابه، فقيل: يصلي. فعاد فقيل: يصلي. فقال: معذورٌ لكل جديدٍ لذة.
وقال يوماً لرجل سلم عليه: من أنت؟ . قال: رجلٌ من ولد آدم. قال: ادن مني عانقني، فما ظننت أنه بقي من هذا النسل أحد.
وقال له أحمد بن سعيدٍ الباهلي: إني أصبت لباهلة فضيلةً لا توجد في سائر العرب. قال: وما هي؟ قال: لا يصاب فيهم دعي، فقال: لأنه ليس فوقهم من يقبلهم، ولا دونهم أحدٌ فينزلون إليه.
وحضره يوماً ابن مكرم فأخذ يؤذيه؛ فقال له ابن مكرم: الساعة والله أنصرف. فقال: ما رأيت من يتهدد بالعافية غيرك.
وقال له يوماً ما يعرض به: كم عدد المكدين بالبصرة؟ قال: مثل عدد البغائين ببغداد.