أما بعد؛ فإن التقوى في أهلها علاماتٍ يعرفون بها، ويعرفونها من أنفسهم؛ من صبر على البلاء ورضي بالقضاء، وشكر للنعمة، وذل لحكم القرآن، وإنما الإمام كالسوق، يحمل إليها ما زكا فيها، فمن كان من أهل الحق أتاه أهل الحق بحقهم، ومن كان من أهل الباطل أتاه أهل الباطل بباطلهم؛ فانظر أي الإمامين أنت. والسلام.
قال: فكان عبد الله يعجب من بلاغة هذه الرسالة وإيجازها، ويضعها تحت فراشه، ويتعاهد قراءتها.
كان لعبد الله بن عروة مولاةٌ يقال لها: شهدة، ففزعت ليلاً؛ فسمعها نقول: اللهم إن أحسنت فأحسن إلي، وإن أسأت فأسئ إلي. فقال: أي شهاد، عتق ما يملك إن لم يكن هذا أقل مالك عند ربك.
قال عبد الله بن عروة بن الزبير: إلى الله أشكو عيبي ما لا أدع، ونعتي ما لا آتي، وإنما يبكي للدنيا بالدين.
نازع عبد الله بن الزبير أخاه عمراً، والأمير بالمدينة سعيد ابن العاص، فاستعلى عبد الله في القول؛ فأقبل سعيدٌ على عمرو، فقال: إيهاً يا بن أبي؛ فأقبل عليه عبد الله، فقال: هيها يا بن أبي أحيحة، فو الله لأنا خيرٌ منك، ولأبي خيرٌ من أبيك: ولأمي خيرٌ من أمك، ولخالي خيرٌ من خالك، ولجدي خيرٌ من جدك. ثم، الله رفع بالإسلام بيوتاً ووضع به بيوتاً، فكان بيتي من البيوت التي رفع، وكان بيتك من البيوت التي وضع، وإن خنس أنفك، وانتفخت لغاديدك.
اختصم رجلان في حدٍّ بينهما بالأعوص، فتهاترا وتخاصما، فأتيا الزبير بن هشام بن عروة، وجعلاه حكماً بينهما. قال: فقال لهما: كان رجلان من بني إسرائيل اختصما في أرضٍ، فأذن الله للأرض، فكلمتهما فقالت: لقد ملكني سبعون أعور، وليس منهم الآن أحدٌ على ظهر الأرض. قال: فتفرقا. وقال كل منهما: لا حاجة لي بها، وتراداها.
قيل لعروة الزبيري حين حمل إلى الرشيد مقيداً: اختصب. فقال: حتى أعلم أرأسي لي أم لكم؟ فأدخل عليه في سلسلةٍ، فقال: كنت أشتهي أن أراك فيها، اخلعوا عليه. يا أمير المؤمنين؛ خلعة شتاءٍ لا خلعة صيف.
الباب السادس
نوادر أبي العيناء ومخاطباته
حمله بعض الوزراء على دابةٍ، فانتظر علفها، فلما أبطأ عليه قال: أيها الوزير هذه الدابة حملتني عليه أو حملته علي.
قال له المتوكل يوماً: إلى كم تمدح الناس وتذمهم؟ فقال: ما أحسنوا وأساءوا؛ فقد رضي الله عن عبدٍ فمدحه؛ فقال: " نعم العبد إنه أوابٌ " وغضب على آخر فزناه. قال: ويلك أيزني الله أحداً؟ قال: نعم. قال الله تعالى: " عتلٍّ بعد ذلك زنيم " ، والزنيم: الدخيل في القوم وليس منهم.
وقال أبو العيناء: قال لي المتوكل يوماً: هل رأيت طالبياً قط. حسن الوجه؟ قلت: نعم، رأيت ببغداد منذ ثلاثين سنةً واحداً، قال: تجده كان يؤاجر وكنت أنت تقود عليه. فقلت: يا أمير المؤمنين، قد بلغ هذا من فراغي، أدع الموالي مع كثرتهم وأقود على الغرباء. فقال المتوكل للفتح: أرت أن أشتفي منهم فاشتفى لهم مني.
قال: وقال لي يوماً: لا تكثر الوقيعة في الناس. فقلت: إن لي في بصري شغلاً عن ذلك. فقال: ذاك أشد لحقدك على أهل العافية.
وقال له يوماً المتوكل: إن سعيد بن عبد الملك يضحك منك، فقال: " إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون " .
وقال يوماً بحضرته لخراشة: ابن كم أنت؟ قال: ابن نيفٍ وخمسين. قال أبو العيناء: زانيةً.
ودخل يوماً إلى ابن ثوابة؛ فقال: بلغني ما خاطبت به أمس أبا الصقر، وما منعه من استقصاء الجواب إلا أنه لم يجد عرضاً فيضعه، ولا مجداً فيهدمه، وبعد فإنه عاف لحمك أن يأكله، وسهك دمك أن يسفكه. فقال: ما أنت والكلام يا مكدي؟ فقال أبو العيناء: لا تنكر على ابن ثمانين، وقد ذهب بصره، وجفاه سلطانه، أن يعول على إخوانه، فيأخذ من أموالهم، ولكن أشد من هذا من يستنزل ماء أصلاب الرجال، يستفرغه في جوفه؛ فيقطع أرزاقهم، ويعظم إجرامهم.
فقال ابن ثوابة: ما تشاجر اثنان إلا غلب ألأمهما. فقال له: بها غلبت أبا الصقر.
وقال ثوابة يوماً: كتبت أنفاس الرجال. قال: حيث كانوا وراء ظهرك.
وقال له يوماً نجاح بن سلمة: ما ظهورك وقد خرج توقيع أمير المؤمنين في الزنادقة؟ فقال: نستدفع الله عنك وعن أصهارك.
ودخل على عبيد الله بن عبد الله بن طاهر وهو يلعب بالشطرنج، فقال: في أي الحيزين أنت؟ فقال: في حيز الأمير أيده الله.