الكتاب والج الأبواب، جرئ على الحجاب، مفهم لا يفهم، وناطق لا يتكلم. ما كل من يحسن وعده يحسن إنجازه. وربما أورد الطمع ولم يصدر، وضمن ولم يف. وربما شرق شارب الماء قبل ريه. ومن تجاوز الكفاف لم يغنه إكثار. وكلما عظم قدر المنافس فيه عظمت الفجيعة به. ومن ارتحله الحرص أنضاه الطلب. والأماني تعمي أعين البصائر. والحظ يأتي من لا يأتيه. وأشقى الناس بالسلطان صاحبه، كما أن أقرب الأشياء إلى النار أسرعها احتراقاً. ولا يدرك الغني بالسلطان إلا نفسٌ خائفة، وجسمٌ تعبٌ، ودين منثلم - وإن كان البحر كثير الماء فإنه بعيد المهوى، ومن شارك السلطان في عز الدنيا شاركه في ذل الآخرة، وما أحلى تلقي النعمة، وأمر عاقبة الفراق. ومن لم يتأمل الأمر بعين عقله لم يقع سيف حيلته إلا على مقاتله. والتثبت يسهل طريق الرأي إلى الإصابة، والعجلة تضمن العثرة.
كل مكروهٍ ختم بمحبوبٍ، وانتهى إلى السلامة، فالهم به زائل، والأجر عليه حاصل. والحوادث الممضة مكسبة لحظوظ جزيلة، منها: ثواب المدخر، وتطهير من ذنب، وتنبيه من غفلة، وتعريف بقدر المنعم وموزن على مقارعة الدهر، وفي الشكر درك المزيد وقضاء حق المنعم، ومواقع أقدار الله لك خير من مواقع آمالك.
بعد العسر يسرٌ، والصبر إلى تفريجٍ. ربما أعقبت السابقة وأدرك المنضى ومن ولج في النائبة صابراً خرج منها مثقفاً. إياك والتقصير، وتمني كل التيسير، ولا تدع الظلم يستمر بك إذا أظلك، وأعلم أن الظالم سريع الوثبة قريب العثرة. ومن لم يعدل عدل الله فيه، ومن حكم لنفسه حكم الله عليه.
لما عرف أهل النقص حالهم عند أهل الكمال استعانوا بالكبر ليعظم صغيراً، ويرفع حقيراً وليس بفاعل. إن الله يمتحن بالإنعام عليك، فأفد من فائدته، واستمد فضلك من فضله.
بكرم الله نبلغ الكرم، ومن نعمه حمد المنعم، وهو المتغمد للذنوب في عفوه، والناشر على الخطائين جناح ستره، الكاشف الضر بيده التي بالعدل عاقبت، والمجيب للدعاء برحمته التي بالتوفيق أنطقت، والجواد بما كان في قدرته، والمنعم قبل الاستحقاق لنعمته، كم سيئة قد أخفاها حلمه حتى دخلت في عفوه، وحسنة ضاعفها فضله حتى عظمت عليها مجازاته.
إنما يعرف اليقين بالله من التقوى.
الناس وفد البلى، وسكان الثري، ورهن المنايا. أنفاس الحي خطاه إلى أجله، وأمله خادع له عن عمله، والدنيا أكذب واعديه، والنفس أقرب أعاديه، والموت ناظرٌ إليه وينتظر فيه أمراً لا يعييه.
على قدر إخلاصك الشكر تزيد عندك النعم، ويسرع إليك المرجو.
إن أمر الله ونهيه ما وقعا إلا على خير في الدنيا قبل الآخرة ندب إليه، أو شر في الدنيا قبل الآخرة حذر منه، ثم وعد بالثواب على طاعتهم له، فيما فيه صلاح أحوالهم تفضلاً منه وامتناناً، ولو كان الله تبارك وتعالى لم ينزل كتاباً ولم يرسل رسولاً، ثم أجمع أهل الأرض على اختيار الأمور تصلحهم، وتشد نظامهم، وتنفي مكروه العواقب عنهم، وتجمع الكلمة، وتديم الألفة، ليكون آية لأفعالهم لا يخالفونها، ولا يستبدلون بها، لم يكنك إلا أمر الله ورسله، ولو أجمعوا على الاجتناب لأمور تدعو إلى الفرقة، وترشح أطفال الضغائن، وتدب عقارب الشر، وتسفك الدماء، وتشظي العصا، وتنقض الحبل، وتشتت الشمل، لم يكن إلا نهي الله عنه ورسله.
لا يزال الإخوان يسافرون في المودة حتى يبلغوا الثقة، فتطمئن الدار، وتقبل وفود التناصح، وتؤمن خبايا الضمائر، وتلقى ملابس التخلق، وتخل عقد التحفظ. لولا الخطايا أشرق نور الفؤاد.
هي الدنيا تعير وتستعير، ومن لم يصبر اختياراً صبر اضطراراً. العاقل لا يستقبل النعمة ببطر، ولا يودعها بجزع.
الدنيا تطرق بطرقة نقمة، وتنبه برائع نجعه، وتجرع ثكلها كأساً مرة، تقتل معترضة، وتعترض متنكرة، وتقفي بالرضاع، وتنشئ العظام، وتلدح الأعمار، وتنشر الآمال، وتفيد لتكيد، وتسر لتغر، وبهذا الخلق عرفت، وعلى هذا الشرط صوحبت.
الأمور وإن كانت مقدرة فمن تقدير الله في أكثر ما جربنا أن يكون المحتال أقرب إلى المأمول، وأبعد من المحذور، من المفرط في الأمور، المستسلم للخطوب، المؤخر لاستعمال الحزم.