واحتاج الناس في حصار عمورية إلى ماء فمد لهم حياضاً من أدم عشرة أميال وغير ذلك، مما سنذكر ذلك بعون الله. وقال الفضل بن مروان: كان المعتصم يختلف إلى علي بن عاصم المحدث، وكنت أمضي معه إليه، فقال يوماً: حدثنا عمرو بن عبيد وكان قدرياً فقال له المعتصم: يا أبا الحسن، أما تروي: " أن القدرية مجوس هذه الأمة " ؟ قال: بلى. قال: فلم تروي عنه؟ قال: لأنه ثقة في الحديث صدوق. قال: فإن المجوسي ثقة في الحديث صدوقاً فيما يقوله أتروي عنه؟ فقال له علي: أنت شغاب يا أبا إسحاق. وقال: كتبنا إلى المأمون عن المعتصم بفتح مدينة، فلما قرأنا الكتاب عليه قال: قل في أوله: وكتابي كتاب منه لخبر، لا معتد بأثر، فزدنا فيه. وقالوا: كان المعتصم من أشد الناس، وكان يسمى ما بين أصبعيه: السبابة، والوسطى: المقطرة. واعتمد بها مرة على ساعد إنسان فدقه. وكتب إليه ملك الروم كتاباً يتهدده فيه، فأمر أن يكتب جوابه، لما قرئ عليه لم يرضه، وقال للكاتب: أكتب. بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فقد قرأت كتابك، والجواب ما ترى لا ما تسمع. " وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار " . ولما دخل إليه المازيار - وكان شديد الغيظ عليه - قيل له: لا تعجل عليه، فإن عنده أموالاً جمة، فأنشد بيت أبي تمام:
إن الأسود أسود الغاب همتهايوم الكريهة في المسلوب لا السلب
ولما قبض على عجيف، وقتله بعد قتل العباس بن المأمون بمديدة، وقد كان المأمون قال لعجيف: قد خفت على نفسي فاكتم علي. فوشى به إلى المعتصم فلما حبسه قال له: اصطنعك المأمون فأفشى إليك كلمة، فلم تحفظها عليه، حتى نممتها إلي. قال ابن أبي دواد: كان المعتصم يقول لي: يا أبا عبد الله، عض ساعدي بأكثر قوتك. فأقول: والله يا أمير المؤمنين، ما تطيب نفسي بذلك، فيقول: إنه لا يضرني فأروم ذلك، فإذا هو لا تعمل فيه الأسنة، فكيف الأسنان. ويقال: أنه طعنه بعض الخوارج، وعليه جوشن، فأقام المعتصم ظهره فقصف الرمح. قال إسحاق الموصلي: سمعته يقول: من طلب الحق بما هو له وعليه أدركه.
الواثق
قيل: إنه لما مات إبراهيم بن المهدي ركب المعتصم حتى صلى عليه، ثم قال الواثق: أقم يا بني حتى تجنه. وقيل: بل لم يصل عليه تحرجاً، وأمر الواثق بالصلاة عليه، فسأل عن وصيته، فوجده قد أمر بمال عظيم أن يفرق على أولاد الصحابة كلهم اولاد علي رضي الله عنه، فقال الواثق: والله لولا طاعة أمير المؤمنين لما وقفت عليه، ولا انتظرت دفنه. ثم انصرف وهو يقول: ينحرف عن شرفه وخير أهله والله لقد دليته في قبره كافراُ، وأمر ففرق في ولد علي - رضي الله عنه - مالاً فاضلاً، فأصاب كل رجل منهم ضعف ما أصاب غيرهم من وصيته. نظر الواثق إلى أحمد بن الخصيب يمشي فتمثل:
من الناس إنسانان ديني عليهما ... مليان لو شاءا لقد قضياني
خليلي، أما أم عمرو فمنهما ... وأما عن الأخرى فلا تسلاني
قال فبلغ ذلك سليمان بن وهب، فقال: إنا لله، أحمد بن الخصيب أم عمرو، وأنا الأخرى، فنكبهما بعد أيام. غنى مخارق في مجلس الواثق:
أظلم، إن مصابكم رجل ... أهدى السلم بحبكم؟ ظلم
فغناه رجل فتابعه بعض، وخالفه آخرون، فسأل الواثق عمن بقي من رؤساء النحويين بالبصرة، فذكر له أبو عثمان المازني، قال: فأمر بحملي، وإزاحة علتي فلما وصلت إليه وسلمت قال: ممن الرجل؟ قلت: من بيني مازن. قال: أمن مازن قيس، أم مازن تميم، أم مازن ربيعة، أم مازن اليمن؟ فقلت: من مازن ربيعة. فقال لي: ما اسمك؟ يريد: ما اسمك؟ قال: وهي لغة كثيرة في قومنا، فقلت على القياس: مكر، أي بكر، يا أمير المؤمنين، فضحك وقال: اجلس واطبئن. فجلست، فسألني عن البيت، فأنشدته:
؟؟أظليم، إن مصابكم رجلاً.
فقال: أين خبر إن؟ قلت: ظلم. أما ترى يا أمير المؤمنين أن البيت كله متعلق به، لا معنى له حتى يتم بهذا الحرف، إذا قال:
" أظليم إن مصابكم رجلاً ... أهدى السلام إليكم " .
فكأنه ما قال شيئاً، حتى يقول: ظلم. قال: صدقت. ألك ولد؟ قلت: بنية. قال: فما قالت حين ودعتها؟ قلت: أنشدت شعر الأعشى:
تقول ابنتي حين جد الرحيل ... أرانا سواءً ومن قد يتم
أبانا، فلا رمت من عندنا ... فإنا بخيرٍ إذا لم ترم