FluentPlex

Scattered Pearls

المأمون

Texte original Public domain

Lire avec le dictionnaire

قيل لبعض العلماء: كيف كانت بلاغة الأمين؟ قال: والله لقد أتته الخلافة يوم الجمعة، فما كان إلا ساعة حتى نودي: الصلاة جامعة، فخرج ورقي المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه. ثم قال: أيها الناس، وخصوصاً يا بني عباس، إن المنون مراصد ذوي الأنفاس حتم من الله لا يدفع حلوله، ولا ينكر نزوله، فارتجعوا قلوبكم من الحزن على الماضي إلى السرور بالباقي، تجزون ثواب الصابرين، وتعطون أجور الشاكرين. فتعجب الناس من جرأته، وبلة ريقه، وشدة عارضته. وكان المأمون يقول: كان يقول لي الرشيد: وددت لو أن لك بلاغة محمد، وأن علي غرم كذا وكذا. وذكر أن محمد في صباه كان كثير اللعب، وكان المعلم يلقي عليه في الكتاب، وعلى المأمون، وكان محمد يلعب ويحفظ، والمأمون ينسى وهو مقبل على العلم يقصد قصده. ذكر أنه دعا يوماً عبد الله بن أبي عفان ليصطبح، فأبطأ فلما جاء قال: أظنك أكلت. قال: لا والله. قال: والله لتصدقن. قال: نعم يا أمير المؤمنين، فدعا بحكاك فحك أضراسه السفلى، فلما ذهب ليحك العليا قال: يا أمير المؤمنين، دعها لغضبة أخرى، فخلاه. قال الفضل بن مروان: سمعته يقول في خطبته: الناس جميعاً آمنون إلا أصحاب الأهواء. وقال لكاتب بين يديه: دع الإطناب، والزم الإيجاز، فإن للإيجاز إفهاماً، كما أن مع الإسهاب استبهاماً. ولما اشتد طاهر على محمد دخلت عليه أمه أم جعفر باكية، فقال لها: مه، إنه ليس بجزع النساء وهلعهن تشفى الصدور، وتساس الأمور وللخلافة سياسة تلين مرة وتخشن أخرى، لا يسعها صدر المراضيع، ولا تحفظ بإضاعة، فإليك إليك. وكتب محمد إلى طاهر بخطه: إعلم يا طاهر أنه ما قام لنا قائم بحق فتم لأحدنا أمره إلا كان السيف جزاءه منه، فانظر لنفسك أو دع. فقال طاهر - وكان قومٌ يضعفون محمداً عنده على من يقول - : إن هذا مضعف مأفون لعنه الله، لقد قدح بقلبي ناراً من الحذر لا يطفئها أمنٌ أبداً. كان الرشيد أخذ ضيعة من صالح صاحب المصلى. ودفعها إلى أم جعفر فلما ولي الأمين سأله الفضل بن الربيع ردها على صالح، فقال: أنا أعوضه ولاأظلم أبي، ولا أعق أمي. قال بعضهم: كنت واقفاً بين يدي الأمين، فقال لكاتب بين يديه:اكتب بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله محمد الأمين أمير المؤمنين إلى طاهر بن الحسين سلامٌ عليك. أما بعد، فإن الأمر قد خرج بيني وبين لأخي إلى هتك الستور، وكشف الحرم، ولست آمن أن يطمع في هذا الأمر السحيق البعيد، لشتات ألفتنا، واختلاف كلمتنا، وقد رضيت أن تكتب لي أماناً لأخرج إلى أخي به، فإن تفضل علي فأهل لذلك، وإن قتلني فمروة كسرت مروة، وصمصامة قطعت صمصامة، ولأن تفترسني السبع أحب إلي من أن ينبحني الكلاب ودفع الكتاب إلى خادم له وقال لي: امض معه. فغيرنا إلى طاهر فقال الآن حين انخرم عنه مراقه وفماقه وبقى مخذولاً: مغلولاً يلوذ بالأمان لا والله أو يجعل في عنقه ساجوراً، ويقول: هأنذا قد نزلت على حكمك. فقلنا: فما الجواب؟ قال: قد سمعتماه فانصرفا إلى الأمين، وأخبراه بذلك، فقال: كذب عبد السوء العاض لهن أمه، والله ما أبلى أوقعت على الموت أو وقع الموت علي. كان الأمين أول من دعي له على المنابر باللقب، وأول من كتب عنه: من عبد الله محمد الأمين. سمع الأمين الفضل بن ربيع يتمثل بقول البعيث:

لشتان ما بيني وبين ابن خالد ... أمية في الرزق الذي الله يقسم

يقارع أتراك ابن خاقان ليله ... إلى أن يرى الإصباح، ولا يتلعثم

وآخذها صهباء كالمسك ريحها ... لها أرج في دنها حين ترشم

فقال له: يا عباسي، لقد علمت ما أردت بتمثلك، أردتني وعبد الله أخي، وأنه يجد بي وأمزح، وما ضر يزيد لعبه، ولا نفع ابن الزبير تيقظه وجده، وما قضي فهو كائن، وإلى الله تصير الأمور.

المأمون

Survolez n’importe quel mot de cette page pour voir son sens

Avec un compte gratuit, survolez n’importe quel mot de la bibliothèque pour voir son sens, écoutez-le lu à voix haute, enregistrez des mots pour des révisions calées sur votre mémoire, et voyez quelle part de chaque livre vous connaissez déjà.

Créer un compte gratuit