يا احمر: إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة قلبه فصير يدك عليه مبسوطة وطاعته لك واجبة فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين أقرئه القرآن وعرفه الأخبار وروه الأشعار وعلمه السنن وبصره بمواقع الكلام وبدئه، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته بتعظيم بني هاشم إذا دخلوا عليم ورفع مجالس القواد إذا حضروا مجلسه ولا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها من غير أن تحزنه فتميت ذهنه ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة.
"ومن وصية ابن شداد لابنه"
عليك بتقوى الله العظيم وليكن أولى الأمور شكر الله وحسن النية في السر والعلانية فإن الشكور يزداد والتقوى خير زاد وكن كما قال الحطيئة:
ولستُ أرى السّعادةَ جمعَ مالٍ
ولكنّ التّقيّ هو السّعيدُ
وتقوى الله خير الزّاد ذخراً
وعندَ الله للأتقى مزيدُ
ثم قال: أي بني لا تزهدن في معروف فإن الدهر ذو صروف والأيام ذات نوائب على الشاهد والغائب فكم من راغب قد كان مرغوباً إليه وطالب أصبح مطلوباً ما لديه: واعلم أن الزمان ذو ألوان ومن يصحب الزمان يرى الهوان.
ثم قال: أي بني كن جواداً بالمال في موضع الحق. بخيلاً بالأسرار عن جميع الخلق فإن أحمد جود المرء الإنفاق في وجه البر وأن أحمد بخل الحر الضن بمكتوم السر وكن كما قال قيس بن الخطيم:
أجودُ بمكنون التِّلاد وإنّني
بسرّك عمّن سالني لضنينُ
إذا جاوزَ الإثنين سرُّ فإنه
بنث وتكثير الحديث قمين
وعندي له يوماً إذا ما ائتمنتني
مكانٌ بسوداء الفؤاد مكين