ثم إن جعفراً خرج من عند الخليفة في طلب علي العجمي، فأرسل خلفه فلما حضر قال: أجب أمير المؤمنين.
قال: سمعاً وطاعة.
فأتى الخليفة فسلم وترحم، فقال له: اجلس فجلس، فقال له الخليفة: اسمع يا علي، إنني الليلة ضيق الصدر، وسمعت عنك أن في ذهنك حكاياتٍ وأخباراً وأريد منك أن تسمعني ما يزل همي وفكري.
فقال: يا أمير المؤمنين، تريد أن أحكي لك شيئاً سمعته أو رأيته؟ فقال: إن كنت رأيت شيئاً فاحكه.
فقال: سمعاً وطاعةً؟! اعلم يا أمير المؤمنين أني سافرت في بعض السنين من بلدي إلى هذه المدينة، وهي بغداد، وصحبني غلام ظريف ومعه جراب نظيف، فأودعني إياه. فبينا أنا أبيع وأشتري، وإذا أنا برجل كردي ظالم معتد هجم علي وأخذ الجراب مني وقال: هذا الجراب جرابي، وكل ما فيه قماشي وثيابي.
فقلت: يا معشر الناس قد اعتراني الوسواس.
فقال الناس جميعاً: امضوا إلى القاضي، وكل بحكمه راضي.
فدخلنا عليه، وتمثلنا بين يديه، فقال القاضي: في أي شيء جئتما؟ فقال الكردي: نحن خصمان.
قال: أيكما المدعي؟ فتقدم الكردي، وقال: أيد الله مولانا القاضي! هذا الجراب جرابي، وكل ما فيه قماشي وثيابي، وقد ضاع ووجدته مع هذا الرجل.
فقال القاضي: ومتى ضاع منك؟ فقال الكردي: ضاع مني بالأمس.
فقال القاضي: إن كنت عرفته فصف لي ما فيه.
فقال الكردي: إن في جرابي هذا مرودين من لجين، وأكحالاً لعينين، ومنديلاً لليدين، ومشربتين مذهبتين، وشمعدانين ومكبتين وطبقين، وإبريقين، وصينية وطشتين، وقدر ودستين، ومغرفة وملعقتين، ومسلة ومقلمةٌ وملبتين، وقعباً وقصعتين، ومخدة ونطعين، وجبة وفروتين، وبقرة وعجلتين، وعنزاً وشاتين، ونعجة وخروفين، وقطين أبلقين، وجملاً وناقتين، وبقرة وثورين، ولبوة وسبعين، ودبة وثعلبين، ومرتبة وسريرين، وطبقة وقاعتين، ورواقاً ومقعدين، ومطبخاً ببابين، وجماعة أكرادٍ يشهدون أن الجراب جرابي.
فقال القاضي: فما تقول أنت يا علي؟ فتقدمت يا أمير المؤمنين، وقد بهتني كلامه فقلت: أعز الله مولانا القاضي، أنا ما في جرابي إلا دويرة حراب وأخرى بلا باب ومقصورة للكلاب وفيه للصبيان كتاب وشبان يلعبون بالكعاب، وفيه عساكر وأطناب ومدينة بصرى وبغداد، وقصر كنعان بن شداد، وكور وحداد، وشبكة وصياد وعصا وأوتاد، وبنات وأولاد وألف قواد يشهدون أن الجراب جرابي.
فلما سمع الكردي هذا الكلام بكى وانتحب وقال: يا سيدي القاضي، جرابي هذا معروف، وكل ما فيه موصوف، في جرابي هذا حصون وقلاع وقرى وضياع وطابق للصِراع ووحوش وضباع ورجال يلعبون الطابة والرقاع، وإن في جرابي هذا حجرة ومهرين وفحلاً وحصانين ورمحين طويلين وسبعاً وأرنبين، وسكيناً وخنجرين، وبحراً وخليجين، وكمراً وجوختين، وعشاري وموكبين، وصاري وقريتين، وكوراً ودكانين، ومنقلة ونردين، وعجوزاً وقحبتين، وقواداً وشاطرين ومخنثاً وعلقين وأعمى وبصيرين وأعرج وكسيحين وعياراً وأزعرين وجامعاً ومدرستين وديراً وكنيستين وقسيساً وشماسين وبطركاً وراهبين وقاضياً وشاهدين يشهدون أن الجراب جرابي.
فقال القاضي: ما تقول أنت يا علي.