FluentPlex

The Barmakids

الرشيد يبكي على البرامكة

Texte original Public domain

Lire avec le dictionnaire

فقال: أحدثك بشيء شاهدته بعيني من الفضل بن يحيى، وذلك أنه خرج يوماً للصيد والقنص، وهو في موكبه، إذ رأى أعرابياً على ناقة قد أقبل من صدر البرية يركض في سيره، قال: هذا يقصدني.

فقلت: ومن أعلمك؟ قال: لا يكلمه أحدٌ غيري.

فلما دنا الأعرابي ورأى المضارب تضرب والخيام تنصب والعسكر الكثير، والجم الغفير، وسمع الغوغاء والضجة، ظن أنه أمير المؤمنين، فنزل وعقل راحلته وتقدم وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.

قال: الآن قاربت، اجلس.

فجلس الأعرابي فقال له الفضل: من أين أقبلت يا أخا العرب؟ قال: من قضاعة.

قال: من أدناها أم من أقصاها؟ قال: من أقصاها.

قال الأصمعي: فالتفت إلي الفضل وقال: كم من العراق إلى أرض قضاعة.؟ فقلت: ثمانمائة فرسخ.

فقال: يا أخا العرب، مثلك لم يقصد من ثمانمائة فرسخ إلى العراق إلا لشيء.

قال: قصدت هؤلاء الأماجد الأنجاد الذين قد اشتهر معروفهم في البلاد.

قال: من هم؟ قال: البرامكة.

قال الفضل: يا أخا العرب البرامكة خلق كثير، وفيهم جليل وخطير، ولكن منهم خاصة وعامة، فهلا أفردت لنفسك منهم من اخترت لنفسك وأتيته لحاجتك؟ قال: أجل! أطولهم باعاً وأسمحهم كفاً.

قال: من هو؟ قال: الفضل بن يحيى بن خالد.

فقال له الفضل: يا أخا العرب، إن الفضل جليل القدر عظيم الخطر، إذا جلس للناس مجلساً عاماً لم يحضر مجلسه إلا العلماء والفقهاء والأدباء والشعراء والكتاب والمناظرون للعم، أعالم أنت؟ قال: لا.

قال: أفأديب أنت؟ قال: لا.

قال: أفعارفٌ أنت بأيام العرب وأشعارها؟ قال: لا.

قال: هل وردت على الفضل بكتاب وسيلة؟ قال: لا.

فقال: يا أخا العرب غرتك نفسك، مثلك يقصد الفضل بن يحيى، وهو كما عرفتك عنه من الجلالة، بأي ذريعة أو وسيلة تقدم عليه؟ قال: والله يا أمير المؤمنين ما قصدته إلا لإحسانه المعروف وكرمه الموصوف وبيتين من الشعر قلتهما فيه.

فقال الفضل: يا أخا العرب أنشدني البيتين فإن كانا يصلحان أن تلقاه بهما أشرت عليك بلقائه، وإن كانا لا يصلحان أن تلقاه بهما بررتك بشيء من مالي ورجعت إلى باديتك وإن كنت لم تستحق بشعرك شيئاً. قال: أفتفعل أيها الأمير؟ قال: نعم.

قال: فإني أقول:

ألم تر أن الجود من عهد آدم ... تحدر حتى صار يملكه الفضل

ولو أن أماً قضها جوع طفلها ... ونادت على الفضل بن يحيى اغتذى الطفل

قال: أحسنت يا أخا العرب. فإن قال لك هذان البيتان قد مدحنا بهما شاعر، وأخذ الجائزة عليهما، فأنشدني غيرهما فما تقول؟ قال: أقول:

قد كان آدم حين حان وفاته ... أوصاك، وهو يجود بالحوباء

ببنيه أن ترعاهمو، فرعيتهم ... وكفيت آدم عيلة الأبناء

قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك الفضل ممتحناً: هذان البيتان أخذتهما من أفواه الناس، فأنشدني غيرهما ما تقول، وقد رمقتك الأدباء بالأبصار، وامتدت الأعناق إليك، وتحتاج أن تناضل عن نفسك؟ قال: إذن أقول:

ملت جهابذ فضل وزن نائله ... ومل كاتبه إحصاء ما يهب

والله لولاك لم يمدح بمكرمة ... خلق، ولم يرتفع مجد ولا حسب

قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك هذان البيتان أيضاً أخذتهما من أفواه الناس ما كنت قائلاً؟ قال: أقول:

وللفضل صولات على مال نفسه ... يرى المال منه بالمذلة والعنا

ولو أن رب المال أبصر ماله ... لصلى على مال الأمير وأذنا

قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك الفضل: هذان البيتان مسروقان، أنشدني غيرهما ما تقول؟ قال: إذن أقول:

ولو قيل للمعروف ناد أخا العلا ... لنادى بأعلي الصوت يا فضل يا فضل

ولو أنفقت جدواك من رمل عالج ... لأصبح من جدواك قد نفد الرمل

قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك الفضل: هذان البيتان مسروقان أيضاً أنشدني غيرهما ما تقول؟ قال: أقول:

وما الناس إلا اثنان: صب وباذلٌ ... وإني لذاك الصب والباذل الفضل

على أن لي مثلاً كما ذكر الورى ... وليس لفضلٍ في سماحته مثل

Survolez n’importe quel mot de cette page pour voir son sens

Avec un compte gratuit, survolez n’importe quel mot de la bibliothèque pour voir son sens, écoutez-le lu à voix haute, enregistrez des mots pour des révisions calées sur votre mémoire, et voyez quelle part de chaque livre vous connaissez déjà.

Créer un compte gratuit